« مريم » (Mary) عنوانٌ واعدٌ لفيلمٍ يروي جزء من سيرة القديسة مريم، والدة المسيح يسوع، وذلك في توقيتٍ عشيّة عيد الميلاد، وحتى في العبارة التي تتلوها «مريم» وجاءت علي لسان الممثلة "نوا كوهين"، إذ تقول: «قد تظنّوا أنكم تعرفون قصتي، فكونوا على ثقة بأنكم لا تفعلون».

مريم لم تَحظَ بلحظةٍ سينمائية خاصة بها، وأكتفت بحضور ثانوي في الأفلام والمسلسلات التي تروي سيرة المسيح، خصَص لها أخيراً ساعة وخمسون دقيقة على الشاشة. 

باستثناء فيلمٍ تلفزيوني تم عُرضه عام 1999 بعنوان (مريم، والدة يسوع)، لم يقرر اي مخرجٌ أو كاتب الغوص في سيرة مريم قبل ولادة المسيح، إلى أن جاء المخرج الأميركي (د.ج. كاروزو) ليجعل من حياتها، زاوية أساسية للرواية الدينية.

وينطلق فيلم «مريم» من معاناة والدَيها (يواكيم وحنّة) من أجل الإنجاب، إلى أن لبّي الله طلبهم، فنبئهم الملاك جبرائيل بأنّهم سوف يُرزقان بابنة، بشرط أن تصبح خادمةً في الهيكل عندما تصل سن مناسب.

وسط هذه المعلومات الشحيحة جداً عن تاريخ « مريم »، يشكّل الفيلم فرصة كبيرة جدا للتعرّف إلى تفاصيل ولادتها وطفولتها التي كانت في ظلّ حُكم الملك هيرودس الظالم، وانتقالها للهيكل خادمة لله، ويصوّر الفيلم ايضا لقاءها الأول مع القديس يوسف، والذي سيصبح زوجها لاحقاً.

أما بشرى جبرائيل لها بأنها سوف تَلِد المسيح المخلّص بدون أن يمسّها يد رجُل، شكّل نقطة تحوّل كبيرة في الفيلم على صعيد الحبكة، تتسارع الأحداث بعد ان تم انتشار خبر حملها وتعرّضها للاضطهاد من والديها، ويتضاعف غضب هيرودس خوفًا من الطفل الآتي، ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن مكانٍ لتنجب فيه مولودها، وتكون وجهتها بيت لحم حيث يبصر المسيح النور في نفس الوقت الذي يتعرّض فيه كل طفل ذَكَر في المدينة الفلسطينية للذبح على يد جنود الملك هيرودس.

فيلم مريم
تصوير فيلم «Mary» في المغرب

نجح الفيلم في الإضاءة والظهور على عدة نواحٍ لا يعرف الكثيرون اي شيء عن بدايات مريم، إلا أنّه لم ينجُوا من التبسيط و التسطيح في اغلب الأحيان. 

يراها المُشاهد طفلة تلهو داخل الحقول، ثم مراهقة تقوم بأعمال التنظيف والزراعة في المعبد، و شابة تحاصرها الرؤي المتأرجحة بين بشائر جبرائيل وتجارب الشيطان، ولكنّ الشخصية كانت مسطّحة ولا تخضع لأي تطوير.

الفيلم لا يجتهد للغوص في أعماق مريم الروحيّة وأبعادها النفسية. باستثناء مشهد واحد نراها فيه وهي توزّع طعام الهيكل على الفقراء بالشارع، ولا نعرف الكثير عن مداخل نفسها ولا عن الصراع الداخلي أمام حَملها الاستثنائي. 

يبدو فيلم «مريم» كفرصة ضائعة، من الممكن أن تضيء على هذه الشخصية التاريخية والدينية المحوَريّة من كامل جوانبها .

فيلم مريم
مريم ويوسف في مشهدٍ من عُرسِهم (نتفليكس)

 الفرص الضائعة لا تقتصر فقط على شخص مريم، بل تنسحب الي الملك هيرودس الذي يؤدي شخصيته النجم أنتوني هوبكنز، علي الرغم من قدراته التمثيلية الخارقة، ويبقى هوبكنز في هذا الفيلم أسيرَ نص عاديّ وقَصر يملئه الصراخ على الجنود والخدم، بشكل لا يضيف شيء جديد إلى السرديّة. 

حتى قراره في القضاء على كل الأطفال الذكور في بيت لحم بالتزامن مع ولادة المسيح، لا يأخذ حقه في المحتوي ولا التصوير.

من المعروف عن مخرج هذا الفيلم (كاروزو) أنه كاثوليكيّ ملتزم، وأنّ المنتج ليس سوى كاهن، ولكنّ النيّةَ الصادقة لم تُؤتي بثمارٍ جيّدة، لدرجة أنّ صحيفة «تلغراف» وصفت هذا العمل بأنه «أسوأ أفلام السنة». 

والعلاقة بين مريم ويوسف فتبدو كحكاية سطحية في فيلم للمراهقين، حتى جودة المؤثرات البصريّة ترسب في امتحان الضخامة.

فيلم مريم
 الممثل أنتوني هوبكنز بدَور الملك هيرودس (نتفليكس)

وكانت إحدى اكبر الانزلاقات، هي الإطلالات الزائدة عن حدّها للملاك جبرائيل وشخصية الشيطان «لوسيفر»، في مشاهده الأخيرة، وهي تعتبر محاولة فاشلة لاستنساخ  الشخصية عن فيلم «The Passion of the Christ» (آلام المسيح). 

أما جبرائيل في الفيلم لا يشبه الملائكة بشيء، بينما وصفه الإنجيل أنه كتلة من النور، يظهر هنا في الفيلم بوجهٍ مخيف، وعندما يبشّر مريم بالحَمل تلفّه العتمة والظلال.

تواصلت المغالطات التاريخية خدمةً للخيال حيث يدق يوسف باب (يواكيم وحنّة) من دون معرفة سابقة، لطالب يد ابنتهم، في تصرّف يتعارض مع التقاليد اليهوديّة السائدة قبل ألفَي عام.

 وايضا من النقاط الجدليّة والغير دقيقة، وفاة (يواكيم) خلال الاضطهاد الذي تعرضت له العائلة، بالإضافةً إلى آلام المخاض التي مرّت بها مريم داخل الفيلم، والتي تتناقض مع الرواية الدينية.

فيلم مريم
فيلم مريم

من الواضح أن المخرج الكاتب استعانا بخيال كبير، مع العلم أنّ المخرج صرّح أنه استقى معلوماته من «إنجيل يعقوب» في القرن الثاني والخاص بسيرة مريم، و النص خضع لحوالي 70 إعادة كتابة تحت اشراف رجال دين مسيحيين، ويهود، ومسلمين.

ويقول المخرج إنه أراد أن يحدث شخصية مريم وأن يقرّبها من الجيل الصاعد، ولكنّ ما حصدَه هو غضب الرأي العام، وخصوصا الفلسطيني والعربي، والسبب هو اختياره لممثلين إسرائيليين لأداء الأدوار الرئيسية، مثل مريم ويوسف وبيواكيم وحنّة وغيرهم.

والحجة التي قدّمها المخرج استفزازية، لأنه قال إن خياره وقع على إسرائيليين «ضمان للموثوقيّة والصدق».

اعتبر روّاد وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأمر إهانة، ومشاركة متعمّدة لتشويه الهوية الفلسطينية، خصوصا في ظلّ الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة.

أمام سقوط المحتوى، ربما خدم «مريم» في الصعود بمستوى المشاهَدات، فكلُ مسلسلٍ او فيلم يثير ضجة وجدل على المنصات الاجتماعية، اصبح يستفيد من نسبة مشاهَدة عالية، حتى لو لم يكن يستحقها.