شنّ مسؤولو الاتحاد الأوروبي عملية مداهمة على مكاتب مجموعتين كبيرتين في سوق البورصة الأوروبي، وسط شكوك بارتكابهما مخالفات تتعلق بقوانين مكافحة الاحتكار المعمول بها في الاتحاد. شملت هذه العملية تفتيش مكاتب كل من "البورصة الألمانية"، التي تعد من أكبر شركات التداول المالي في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى مجموعة "ناسداك" وهي من أضخم البورصات العالمية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا رئيسيًا لها.

هذه المداهمات جاءت ضمن تحقيق أطلقته المفوضية الأوروبية، التي تمثل الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي وتختص بضمان الالتزام بقوانين الاتحاد، بما في ذلك قوانين المنافسة ومنع الاحتكار. وقد جرى تفتيش مكاتب البورصة الألمانية بشكل فعلي في مدينة فرانكفورت، العاصمة المالية لألمانيا، حيث قام المسؤولون بتفتيش وتدقيق الوثائق والمستندات المتعلقة بنشاطات الشركة.

المفوضية الأوروبية أكدت في بيان رسمي أن لديها مخاوف تتعلق بأن تلك الشركات قد تكون متورطة في ممارسات تنتهك قواعد مكافحة الاحتكار، والتي تهدف إلى حماية الأسواق من الممارسات الاحتكارية والتأكد من وجود منافسة عادلة بين الشركات. ومع ذلك، أوضحت المفوضية أن عمليات التفتيش لا تعني بالضرورة إدانة تلك الشركات أو إثبات تورطها في أي ممارسات غير قانونية. وقالت المفوضية إنه لا يمكن استنتاج نتائج التحقيقات أو التوصل إلى أي قرارات نهائية استنادًا فقط إلى عمليات التفتيش الأولية.

وأشار البيان إلى أنه لا توجد مهلة زمنية محددة لاستكمال التحقيقات المتعلقة بالسلوكيات المناهضة للمنافسة. تتوقف مدة التحقيقات على عدة عوامل، منها تعقيد القضايا قيد التحقيق ومدى تعاون الشركات المعنية مع المفوضية في توفير المعلومات والبيانات المطلوبة، وكذلك قدرتها على ممارسة حقوق الدفاع الخاصة بها.

تعتمد المفوضية في مثل هذه التحقيقات على توجيه عمليات التفتيش إلى الشركات المعنية من أجل الحصول على أدلة مادية قد تكون أساسية في إظهار وجود أي مخالفة. ويجدر بالذكر أن قوانين الاتحاد الأوروبي لمكافحة الاحتكار تضع حدودًا صارمة على الشركات التي تنتهك قواعد السوق العادلة. وتهدف هذه القوانين إلى منع أي ممارسات قد تؤدي إلى الحد من المنافسة بين الشركات أو تشويهها.

ومن المتوقع أن تركز التحقيقات على مدى تواطؤ الشركات أو تنفيذها ممارسات يمكن أن تحد من دخول منافسين جدد إلى السوق أو تعرقل تطور المنافسة الطبيعية. وفي حالة إثبات تورط أي من الشركات المعنية، يمكن أن تواجه غرامات مالية ضخمة تصل إلى 10% من إجمالي الإيرادات العالمية للشركة المخالفة. وهذه الغرامات تهدف إلى ردع الشركات عن ارتكاب انتهاكات مستقبلية والتأكيد على أهمية التزامها بالقوانين.

ومن الجدير بالذكر أن عملية مداهمة مكاتب الشركات ليست جديدة في سياق التحقيقات التي تجريها المفوضية الأوروبية، حيث تعتبر واحدة من الأدوات الفعالة لجمع الأدلة التي يصعب الحصول عليها بوسائل أخرى. ويأتي هذا التحرك في ظل جهود مستمرة تبذلها المفوضية لمكافحة ممارسات الاحتكار التي تهدد استقرار الأسواق الأوروبية وتضر بالمستهلكين من خلال رفع الأسعار أو تقليل الخيارات المتاحة لهم.

وفي حال إثبات وقوع أي انتهاكات من قبل الشركات المتهمة، قد يتم فتح تحقيق رسمي أكثر تعمقًا يمكن أن يشمل استدعاء ممثلي الشركات المعنية لإدلاء بشهاداتهم وتقديم بيانات توضح نشاطاتها التجارية بالتفصيل. قد تؤدي التحقيقات أيضًا إلى فرض عقوبات صارمة، تشمل غرامات مالية وقيود على ممارسات الشركات في المستقبل.

وفي السياق ذاته، تحرص المفوضية الأوروبية على توجيه رسالة واضحة إلى الأسواق بأن ممارسات الاحتكار لن يتم التسامح معها، وأن القانون سيُطبق بشكل صارم لحماية المنافسة العادلة. ومن هذا المنطلق، قد يؤدي هذا النوع من التحقيقات إلى تغيير في سلوك الشركات الكبرى وتبنيها استراتيجيات تتوافق مع القوانين الأوروبية وتساهم في تحقيق توازن أفضل في السوق.

تأتي هذه المداهمات ضمن حملة أوسع تهدف إلى ضمان التزام الشركات الكبرى بالقواعد التنظيمية للاتحاد الأوروبي، وعدم السماح لأي جهة بالتحكم غير العادل في السوق على حساب منافسيها والمستهلكين. وما تزال التحقيقات جارية بانتظار النتائج النهائية التي ستحدد ما إذا كانت الشركات قد انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار أم لا.