تحمل أوراق التاروت المزينة بالشخصيات المروعة والرّموز الغامضة، تاريخ أبعد بكثير من الدّور الذي انتهت له في وقتنا المعاصر كمجرد حلية لقراءة الحظ، والتنجيم، والتنبؤ بالمستقبل، وتقلبت غايات استعمالها مع تقلبات الأزمنة وتبدل الحضارات.

أوراق التاروت، كما نعرفها اليوم،  هي ابنة من ثقافات وسط وجنوب أوروبا، وخاصة دولة فرنسا وإيطاليا، حيث اشتهرت هناك مع عصر النهضة لغرض الترفيه  داخل المجتمعات الأرستقراطيّة ومنتدي النبلاء. 

ولكن ما يغيب عن أذهان الكثيرين أن فكرة نقل أوراق التاروت من جذورها القديمة داخل شرق آسيا وتطويرها يرجع إلى العالم العربي الإسلامي في العصور الوسطى، وهناك بعض الدلائل الموثقة التي تشير أن أول حزمة منها وصلت للقارة الأوروبيّة  من مصر المملوكيّة عبر ميناء البندقيّة،  عام 1370 ميلادية. 

تاروت
اوراق التاروت

لذلك أطلق عليها اسم ورق الساراسين، وهو مصطلح كان يستخدم للإشارة إلى عرب البتراء في الشام، و ثم أصبح في أوروبا بالعصور الوسطى.

التاروت المملوكي تكوّن من 4 مجموعات، وفق النسخة التي يحتفظ بها متحف التوبكابي في إسطنبول، ولكن الأوروبيين اضافوا للعبة أقسام وثيمات جديدة لتأخذ بالتدريج شكلها الذي انتشر بين الطبقات الشعبية عبر الغرب.

 إثر اختراع الطباعة الحديثة في منتصف القرن الخامس عشر، والتي سمحت بتوفير مجموعات للعب بأسعار زهيدة، ولعل التغيير الرئيسي الذي استحدثه الأوروبيّون كان إضافة رسومات على شكل البشر من رجال دين، وصيادين، وملوك، وشياطين، ولكن تجنبت أوراق المماليك ذلك، وبقيت في إطارها التجريديّ بحكم الثقافة الإسلامية السائدة.

وحسب المؤرخين المختصين في التاريخ الثقافي لأوروبا بالعصور الوسطى، فإن استعمال أوراق التاروت الاولي مثّلت نوع من التحدي لتعليمات الكنيسة الكاثوليكيّة، وتضمنت أوراق يمكن أن يلعب بها الشخص فيحقق انتصار على الآخرين، وهو ما تم فهمه انه تفلت من الإرادة الإلهية.

اوراق التاروت
حظر أوراق التاروت ومنع اللعب بها

اعتبرها البعض عوناً للمقامرين، ومدعاة للعبث واللهو، وتظهر السجلات المدنية للمدن الأوروبية محاولات في عام 1370 و1380 لحظر أوراق التاروت ومنع اللعب بها، ولكن الجلي أن هذه الجهود كانت بلا طائل، حيث استمرت اللعبة في الانتشار، بداية من الأثرياء، والذين استثمروا في بعض النسخ الخاصة منها وتم رسمها باليد، واحتفظوا بها في الصناديق الفاخرة، قبل انتقالها إلى مختلف الطبقات، بعد توفر النسخ المطبوعة في القرن الخامس عشر.

أول ذِكْرٍ موثق لأوراق التاروت بأوروبا في عام 1449، وذلك بخطاب بعث به ضابط بالجيش في مدينة البندقية إلى إيزابيلا ملكة نابولي، وارسل إليها مجموعة من أوراق التاروت رسمها فنان معروف بموهبته في هذه المرحلة. 

قام بوصف اللعبة بأنها مثيرة للاهتمام، ويمكن بطرائق معقدة، تحقيق الغلبة على الآخرين. ومع أن هذه الحزمة من أوراق التاروت ضاعت ربما للأبد، فإن الرسالة حفظت وبقيت مفتتح لتاريخ التاروت الموثق، ويعتقد الآن بأنها تتعلق بمجموعة من الأوراق تمثل مرحلة انتقالية بين الشكل الأولي الذي أخذته في عصر النهضة، وما انتهت له في النموذج الغربيّ المألوف وأطلق عليه في إيطاليا "تاروتشي"، وفي فرنسا "تارو".

تصاميم أوراق التاروت لم تأتي عبثاً، ولكنها عكست مزاج المجتمعات في المراحل التاريخية المختلفة، مالت رسوماتها في أزمات الكوارث والحروب لاستدعاء شخصيات تتسم بالعنف، ووظفت رموز توحي بالموت والعذاب. 

اوراق التاروت
 تطور اوراق التاروت

علي الرغم من ذلك، بقيت لما يقرب من 200 عام أوراقٍ للعب، قبل أن يتحقق في دولة فرنسا في القرن الثامن عشر انقلاب في طبيعة استخدامها بعدما تسربت لها المعاني الباطنية كهروب من العقلانية في عصر التنوير. 

وهنا ظهر دور مختلف اخر لمصر في تطور اوراق التاروت، حيث تسببت حملة نابليون بونابرت بافتتان ثقافيّ في فرنسا بكل ما يتعلق بمصر الفرعونية القديمة، وتطلع بعض الكتاب أن أوراق التاروت كانت مخزن لحكمة كهنة مصر القديمة الذين قاموا باستخدامها لإخفاء تعاليمهم عن العامّة.

وما لبثت حمى انتشار المعاني الباطنية الكامنة في التاروت التي انتقلت مع بداية القرن العشرين إلى دولة بريطانيا، وتداخلت مع الأساطير المتداولة عن الكأس المقدسة وفرسان الهيكل والكابالا اليهوديّة.

اوراق التاروت
اتحاد التاروت الفرنسي

تلقت أوراق التاروت قبول عالمي بعد تأسيس اتحاد التاروت الفرنسي في سبعينات القرن الماضي وتنظيم المنافسات العالمية في المدن الأوروبيّة، وجعل الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي انتشار كبير من دائرة الاهتمام بها، ولكنه في الأيام الحاضرة أصبحت اوراق التاروت أقرب إلى منتج ثقافي علاجيّ، يستخدمه البعض لمقاربة مشاعرهم والهروب من ضغوط الواقع .