هناك تطورات جديدة تظهر داخل «غرف الأخبار»، بعد سعي الصحف الشهيرة، مثل «واشنطن بوست»، لاجتذاب صُنّاع المحتوى، وذلك بهدف تعزيز التواصل مع الجمهور في حين أثارت المساعي لدمج صُنّاع المحتوى داخل غُرف الأخبار الكثير من التساؤلات بخصوص ضمانات التوازن بين المعايير المهنية وبين التكيّف مع تطلّعات الجمهور.

حسب تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة، في العام الماضي، فإن الجمهور من الفئات الأقل من أربعين عام يعيرون اهتمام كبير لصُنّاع المحتوى، أو ما يطلقون عليهم اسم المؤثرون، باعتبارهم مصدر للمعلومات وكذلك الأخبار.

وأشارت بعض الدراسات الاستقصائية من ضمن مبادرة «بيو-نايت» الأميركية، المعنية برصد التغيرات عن كيفية استهلاك الأخبار والمعلومات، في شهر نوفمبر الماضي، إلى أن أكثر من خُمس اشخاص بالغين في الولايات المتحدة يعتمدون على «المؤثرين» للحصول على الأخبار والمعلومات.

ومع ذلك، فإن اغلب هؤلاء «المؤثرين» الذين ينشرون الأخبار لا ينتمون نهائيا إلى اي مؤسسات إخبارية ولا يخضعون لتدريبات صحافية، وذلك حسب دراسة أجرتها منظمة «اليونيسكو» ونُشرت نتائجها، في نهاية شهر نوفمبر الماضي، فإن اغلب هؤلاء المؤثرين اي حوالي 62% لا يتحقّقون من صحة المعلومات التي يشاركونها مع الجمهور، مما يُثير مخاوف من انتشار اي معلومات زائفة.

ومعروف أن هناك تجارب بدأت تخوضها غرف الأخبار في الفترة الاخيرة للدمج بين الصحافي المدرب وبين صانع المحتوى صاحب الكاريزما والجمهور، وظهرت، في هذا الإطار، بعض النماذج مثل: وكالة «واشنطن بوست»، والمنصة الأميركية «مورنينغ بيرو» والتي أطلقت بالفعل مبادرات يقوم بقيادتها صُنّاع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، غير أن الاتجاه مازال قيد التجربة والتقييم، حسب ما يبدو.

رهن "مهران كيالي" الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا»، نجاحات تجربة دمج صُنّاع المحتوى مع غرف الأخبار بتنظيم العلاقة بين الطرفين، وقال إنه على غرف الأخبار أن توفّر لصُنّاع المحتوى أدوات عديدة مثل: (التحقق من المصادر، والالتزام بالأخلاق الصحافية)، في حين قدّم صُنّاع المحتوى خبراتهم في الإبداع الرقمي والعمل علي فهم الجمهور على المنصات الحديثة، وأضاف انه يجب تقنين العلاقات عن طريق وضع إطار واضح يحدّد المسؤوليات وأسلوب العمل.

واشار كيالي إلى التحديات أمام تجربة دمج صُنّاع المحتوى داخل غرف الأخبار، قائلاً: «هناك نظرة سلبية من بعض الصحافيين التقليديين تجاه صُنّاعة المحتوى، بل يعتبرونهم دخلاء على المهنة، برغم من امتلاكهم جمهور واسع وتأثيرات كبيرة. 

وأضاف: «بعض المؤسسات الصحافية تعاني من صعوبة في التكيّف مع أسلوب المحتوى السريع والبسيط الذي يتلاءم مع منصات التواصل الاجتماعي، خشية من خسارة الصورة الوقورة أمام الجماهير».

واعتبر كيالي أن غرف الأخبار قبل أن تستعين بصُنّاع المحتوى، هي في حاجة إلى التجهيزات والإجراءات التي تمكّن جميع الصحافيين من إنتاج ونشر المحتوى الرقمي جذاب بسرعة كبيرة.

وفيما يخص حلول تجاوز هذه التحديات، أوضح خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» أنه يجب على جميع المؤسسات تحديث سياساتها وتوفير الدعم والتدريب اللازم للصحافيين،  وتغيير النظرة السلبية تجاه صُنّاع المحتوى والبحث عن التعاون.

وأشار ايضا إلى أهمية تحقيق التوازن بين المهنية وبين التطوير، قائلًا: « هناك بعض غرف الأخبار تحتاج إلى تعزيز مصداقيتها من خلال الالتزام بمبادئ الصحافة، عن طريق تجنّب المصادر الغير موثوقة وتدقيق المعلومات قبل ان يتم نشرها».

لجذب الجمهور، يجب تقديم محتويات تلامس اهتماماتهم بأسلوب سهل مع استخدام أدوات حديثة مثل استخدام الفيديوهات القصيرة، مما يضمن الجمع بين الدقة وبين الجاذبية لتعزيز الثقة في عصر المنافسات الرقمية.

وتري "ياسمين القاضي" المحاضرة في الإعلام الرقمي بالجامعة البريطانية بمدينة القاهرة،  أن بعض المؤسسات الإخبارية مازالت تعتمد الاستراتيجيات القديمة نفسها على وسائل التواصل الاجتماعي، وقالت : «منذ سنوات تبنّت وسائل الإعلام مفهوم التحويل إلى منصات عن طريق جمع المعلومات وتدقيقها، وهو يعتبر الدور الأصيل للصحافة، ثم يتم نشرها بأسلوب يحاكي وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن هذا الاتجاه لن يكون كافي في ضوء احتدام المنافسات مع صُنّاع المحتوى، مما يفرز اتجاههم للاستعانة بالمؤثرين».