منذ عدة أشهر، وأثناء بحث الصحافي جو تيدي، مراسل شؤون الأمن الإلكتروني في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، عن موضوع لقصته الجديدة، وجد نفسه مضيفًا إلى قنوات متعددة على تطبيق "تلغرام" تركز على أنشطة مشبوهة مثل بيع المخدرات والقرصنة، وصولاً إلى التعاملات غير القانونية مثل بطاقات الائتمان المسروقة والأسلحة اكتشف تيدي أن إعدادات التطبيق الخاصة به سمحت لأشخاص بإضافته إلى هذه القنوات دون إذنه، ما دفعه إلى ترك الإعدادات كما هي لمعرفة تطورات الوضع.

في غضون أشهر قليلة، تم إضافته إلى أكثر من 80 مجموعة مختلفة، وكل مرة يسجل دخوله إلى التطبيق، يجد الآلاف من الرسائل الجديدة تصل من هذه المجموعات غير القانونية وعند اتخاذه قرارًا بتغيير إعداداته لمنع الإضافات العشوائية، اكتشف حجم النشاط الإجرامي الذي يتم على تلك المنصات.

وفي ضوء هذه الأحداث، ظهر نقاش حول دور "تلغرام" كمنصة تسهل انتشار الجرائم عبر الإنترنت اعتقال بافيل دوروف، مؤسس التطبيق، في فرنسا أثار تساؤلات حول مدى مسؤوليته عن السماح بتلك التعاملات غير المشروعة عبر التطبيق، لا سيما في ظل الاتهامات التي وُجهت إليه بالتواطؤ في تسهيل الجريمة الإلكترونية، مثل الاتجار بالمخدرات ونشر صور الاعتداء الجنسي على الأطفال.

يُشير الخبراء في الأمن السيبراني إلى أن الجريمة ليست حكرًا على "تلغرام"، حيث أنها تحدث على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن سهولة الاستخدام والسرية التي يوفرها التطبيق تجعل من الصعب على السلطات تتبع تلك الجرائم، مما أدى إلى وصفه من قِبل بعض المختصين بأنه يشبه "الإنترنت المظلم في جيبك" في الواقع، يُعرف الإنترنت المظلم بأنه جزء من الشبكة العنكبوتية لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال برامج متخصصة ويستخدمه المجرمون لتجارة السلع والخدمات غير المشروعة.

بالنسبة إلى العديد من المجرمين، يعد الإنترنت المظلم ملاذًا بسبب درجة الخصوصية العالية التي يوفرها، وهو الأمر ذاته الذي يتيحه تطبيق "تلغرام" والذي أصبح بدوره منصة مفضلة لبعض من هؤلاء المجرمين، خصوصًا أولئك الذين قد لا يمتلكون الخبرة الكافية للوصول إلى الإنترنت المظلم تظهر التقارير أن التطبيق أصبح وجهة شهيرة للمجرمين بفضل قدرته على إخفاء الهوية وتوفير بيئة غير خاضعة للرقابة، وهو ما يمثل تحديًا أمام سلطات إنفاذ القانون.

تعتبر مواد إساءة معاملة الأطفال من أخطر الجرائم التي ارتبطت بتطبيق "تلغرام"، حيث تشير تقارير هيئة الإذاعة البريطانية إلى أن التطبيق يستجيب فقط لبعض طلبات إزالة المحتوى التي تقدمها الشرطة أو منظمات خيرية، ولكنه لا يشارك في البرامج الوقائية التي تهدف إلى الحد من انتشار تلك الصور والفيديوهات بشكل استباقي هذا النقص في الجهود الوقائية لمكافحة الجرائم المتعلقة بالأطفال يعد إحدى أهم القضايا التي دفعت المدعين الفرنسيين إلى التحقيق في الأمر.

من جانبه، يقول "تلغرام" إنه يتخذ إجراءات سرية لمكافحة الأنشطة غير القانونية، بما في ذلك التعامل مع إساءة معاملة الأطفال، وأكد أنه اتخذ إجراءات ضد 45 ألف مجموعة في شهر واحد ومع ذلك، ما يزال التطبيق يواجه انتقادات واسعة بسبب عدم تعاونه الكامل مع الجهات المختصة في ما يتعلق بطلبات الشرطة لإزالة المحتويات غير القانونية أو تقديم الأدلة اللازمة لتتبع المجرمين.

وبالرغم من أن الإشراف على المحتوى هو جانب من المشكلة، إلا أن سياسة التطبيق التي تقضي بعدم التعاون مع الشرطة في تقديم معلومات حول المحتويات أو الجرائم التي يتم تداولها عبره، تعد عائقًا كبيرًا أمام تحقيق العدالة يشير الباحثون في شركة الأمن السيبراني "Intel471" إلى أن النشاط الإجرامي الذي كان يتم على الإنترنت المظلم أصبح اليوم يجد في "تلغرام" بيئة خصبة بسبب عدم خضوعه لنفس القيود الصارمة.