في ظل التسارع اللافت في التحولات العمرانية والاجتماعية داخل المملكة العربية السعودية، تبرز الفنانة التشكيلية والباحثة سارة العبدلي كأحد الأسماء البارزة التي نجحت في توثيق هذه التغيرات عبر أعمال فنية تمزج بين الأصالة والمعاصرة.

ولا تكتفي العبدلي بإعادة إنتاج الزخارف الإسلامية التقليدية، بل تقدم قراءة جديدة لها، توظّف فيها اللغة الهندسية لتجسيد قضايا اجتماعية وثقافية معاصرة، ما يمنح أعمالها بُعدًا فكريًا يتجاوز الشكل الجمالي.

وفي مقابلة مع CNN بالعربية، استعرضت العبدلي رحلتها في مجال الفن المعاصر، مؤكدة أن هويتها كامرأة سعودية كانت في كثير من الأحيان مصدرًا لفرص محورية ساهمت في تشكيل مسيرتها المهنية.

وأوضحت أنها بدأت مشوارها الفني في مرحلة اتسمت بالغموض، خاصة بالنسبة لشابة تسعى لإثبات حضورها في مشهد فني لم تكن ملامحه واضحة آنذاك، مشيرة إلى أن تلك التحديات ساعدتها في صقل تجربتها وتحديد رؤيتها.

وأضافت أن مشاركاتها الدولية المبكرة، لا سيما في المتحف البريطاني وبينالي البندقية، مثّلت نقاط تحول بارزة أسهمت في بلورة مسارها الفني وتعزيز حضورها على الساحة العالمية، لتصبح اليوم واحدة من أبرز الأصوات الفنية التي تعكس التحولات الثقافية في السعودية.

عمل فني بعنوان" اغنية السقوط والغرق ". عمل فني بعنوان" اغنية السقوط والغرق ". Credit: Sara Alabdali

وأشارت سارة العبدلي إلى أنّها تجد في التاريخ ملاذًا يُمكّنها من فهم الحاضر بعمق أكبر، مؤكدة أن هذا التوجّه يُعد ركيزة أساسية في مختلف ممارساتها الفنية، سواء في الرسم أو الكتابة أو البحث. 

وأوضحت أنها، عند تعاملها مع الأنماط والعناصر التقليدية، تسعى إلى تفكيك السياقات التي نشأت فيها، واستيعاب دلالاتها ضمن أطرها الزمنية الأصلية، لتتحول من مجرد زخارف تزيينية إلى منظومات رمزية تحمل أبعادًا ثقافية وفكرية.

ويُعد التحول الحضري محورًا متكررًا في أعمالها، حيث عبّرت عن تأثرها العميق بالتغيرات المتسارعة التي شهدتها كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهما مدينتان شكّلتا جزءًا محوريًا من تجربتها الشخصية، إذ عايشت تطوراتهما منذ طفولتها.

كما لفتت إلى نشأتها في جدة، التي تصفها بأنها بوابة العبور إلى المدينتين المقدستين ونافذتها على العالم، حيث رصدت تحولات لافتة على مستوى العمارة والبنية الاجتماعية والتعليمية. 

لكنها أكدت أنها لم تُدرك عمق هذه التغيرات إلا من خلال ممارستها للفن، الذي تحوّل بالنسبة لها إلى أداة لفهم الفضاء العام وإعادة قراءته، بما يتجاوز حدود المألوف.

"شهيق".. أحد أبرز أعمال الفنانة السعوديّة سارة العبدلي"شهيق".. أحد أبرز أعمال الفنانة السعوديّة سارة العبدليCredit: Sara Alabdali

العبدلي: تحوّلات المشهد الثقافي السعودي تعيد تشكيل ممارسات الفنانين

في الوقت الذي تركز فيه الفنانة "العبدلي" حالياً على الرسم والبحث الأكاديمي والفني، بعد مسيرة شملت سابقاً تجارب في العمارة والفضاء العام، سلطت الضوء على التحولات التي شهدتها الساحة الفنية في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وأشارت العبدلي إلى أن ندرة الفرص المتاحة لتنفيذ مشاريع في الفضاء العام شكلت تحدياً جوهرياً خلال تلك الفترة، مستذكرةً بداياتها مع فن "الغرافيتي" الذي كان بالنسبة لها تجربة عفوية وتفاعلاً شخصياً، بعيداً عن أطر العمل المؤسسي المنظم.

وفي سياق متصل، ثمّنت العبدلي الطفرة النوعية التي يشهدها المشهد الفني السعودي، مؤكدة أن الدور المحوري الذي باتت تلعبه المؤسسات والمتاحف والجهات الثقافية الرسمية أحدث "تحولاً بنيوياً" في قطاع الفنون. وأوضحت أن منظومة العمل الإبداعي اليوم باتت أكثر تكاملاً وشمولية؛ فبعد أن كان الفنان يعتمد بشكل شبه كلي على صالات العرض التجارية—التي لا تزال تحتفظ بأهميتها—أصبح المشهد اليوم أكثر اتساعاً، بفضل بيئة داعمة تفتح آفاقاً جديدة ومستدامة أمام الممارسات الفنية المختلفة.

عمل بعنوان Shades of Decay أو ظلال التآكل. عمل بعنوان Shades of Decay أو ظلال التآكل. Credit: Sara Alabdali

بين الفن والأزياء.. "العبدلي" تستلهم من الموروث البحري وتُثري تجربتها عبر التقييم الفني

في إطار سعيها لاستكشاف مساحات إبداعية جديدة، سلطت الفنانة "العبدلي" الضوء على تعاونها اللافت مع المصممة السعودية "وعد العقيلي" في العمل الفني "عباءة أم السمكة"، الذي قُدّم ضمن فعاليات أسبوع الموضة في الرياض. وأوضحت العبدلي أن العمل جاء ثمرة حوارات مكثفة لمزج رؤية تصميم الأزياء بالعمل الفني المتحرك؛ ليكون بمثابة "تحية بصرية" لثقافة البحر ورحلات البحارة التاريخية في المنطقة، حيث أعادت صياغة الأهازيج والقصائد الشفوية عبر خطوط بصرية مختزلة وتجريدية.

ولم تقتصر مسيرة العبدلي على الإنتاج الفني فحسب، بل امتدت لتشمل تنظيم المعارض، وهي تجربة تصفها بأنها "مفصلية" في مسارها الإبداعي. وتؤكد العبدلي أن العمل في الجوانب الإدارية والتقييم الفني منحها رؤية شاملة لديناميكيات المشهد الثقافي من الداخل؛ مما مكّنها من تحقيق توازن دقيق بين ممارستها الفنية القائمة على البحث وبين متطلبات العمل الاحترافي، لتصل إلى مرحلة متقدمة تدرك فيها "التوقيت الأمثل" لتجريب آفاق فنية جديدة دون التفريط في هوية مشروعها الفني أو تسلسله المفاهيمي.

لا تكتفي أعمالها بإعادة إنتاج الزخارف التقليدية، بل تعيد تفسيرها وتربطها بقضايا اجتماعية وثقافية معاصرة.

"أساطير الوطن".. العبدلي تستنطق الذاكرة والهوية في معرضها الفردي بجدة

تتجاوز أعمال الفنانة السعودية "العبدلي" حدود محاكاة الزخارف التقليدية، لتقدم قراءة بصرية معاصرة تشتبك مع القضايا الاجتماعية والثقافية الراهنة. وفي هذا السياق، أعربت الفنانة عن تطلّعها لافتتاح معرضها الفردي الثالث بالتعاون مع "غاليري حافظ"، والذي يحتضنه مبنى "مدارس الفلاح" التاريخي بجدة اعتباراً من 21 أبريل الجاري تحت عنوان "أساطير الوطن".

يعد المعرض دعوة للجمهور لاستكشاف فضاء فني يتقاطع فيه الأسطوري مع الذاكرة الجمعية، متقصياً الروابط العميقة بين التاريخ، ورموز الأنوثة، والتحولات المتجددة في هوية مدينة جدة. ويأتي هذا المعرض امتداداً لمسار بحثي معمق تتبناه العبدلي، يتصدره مشروعها التوثيقي حول "شواهد القبور الحجازية"، الذي حظي بحضور لافت خلال مشاركتها في النسخة الأولى من بينالي الفنون الإسلامية بجدة عام 2023.