دفعت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب شركات سيارات إلى مراجعة خطط إنتاجها في الولايات المتحدة، عبر توسيع بعض المصانع أو نقل جزء من التصنيع من الخارج، إلا أن أثر هذه السياسة لا يزال محدوداً، في ظل ضبابية تجارية أثرت في قرارات مورّدي القطاع واستثماراتهم.
وأعلن ترامب أن صناعة السيارات الأميركية تشهد «عودة قوية» بفضل سياساته التجارية، لكن معطيات القطاع، وفق محللين وشركات متخصصة، تشير إلى صورة أكثر تعقيداً: فبينما تستفيد بعض شركات التجميع من طاقات إنتاجية قائمة داخل الولايات المتحدة، تواجه الشركات المورّدة ضغوطاً مالية وحذراً متزايداً في الإنفاق.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أعلنت شركات بينها جنرال موتورز وتويوتا وفورد خططاً لتوسيع عملياتها الأميركية أو تحويل إنتاج من الخارج، وتأتي هذه القرارات في وقت يشمل فيه الإطار التجاري رسوماً جمركية بنسبة 25 في المئة على السيارات المستوردة.
وقالت ستيفاني برينلي، محللة قطاع السيارات لدى «موبيليتي غلوبال»، إن الأثر الذي أحدثته الرسوم في الصناعة الأميركية يمثل «نجاحاً جزئياً»، وترى أن المكاسب الحالية تميل إلى أن تكون تدريجية، لا تحولاً سريعاً وحاسماً في خريطة التصنيع.
توسع قائم وحذر من القرارات طويلة الأجل
تتأثر قرارات الاستثمار الكبرى، بحسب خبراء القطاع، بعدم استقرار التدابير التجارية، وبرزت هذه المخاوف في الخلاف بين الولايات المتحدة وكندا، الذي انعكس على آفاق اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا للتجارة، المعروفة اختصاراً باسم «USMCA».
وفي أغسطس، قال مسؤول رفيع في هوندا إن منشآت الشركة في أميركا الشمالية تعمل تقريباً بكامل طاقتها، وأضاف أن الشركة ترغب في إنشاء مصنع جديد، لكن خططها قد تتغير إذا استمرت الضبابية المحيطة بالاتفاقية التجارية.
وتوضح برينلي أن الاستفادة من المصانع القائمة أو إعادة تهيئتها تختلف عن بناء منشأة جديدة بالكامل، لأن المصنع الجديد يتطلب التزاماً طويل الأمد، وقالت إن المصانع لا تُبنى على افتراض استمرار تشغيلها لفترة رئاسية واحدة، مشددة على أن الرسوم عامل مؤثر لكنه ليس العامل الوحيد في قرارات الشركات.
المورّدون تحت ضغط الرسوم
كان قطاع مورّدي السيارات من أكثر الأطراف تأثراً بالتقلبات التجارية، إلى جانب تراجع ترامب عن السياسات الأميركية الداعمة للسيارات الكهربائية، ويوفر هذا القطاع قطع الغيار والتقنيات اللازمة للإنتاج، ويعمل فيه نحو 930 ألف شخص في الولايات المتحدة.
وقال تايلر هارب، الخبير الاقتصادي المتخصص في القطاع لدى مركز أبحاث السيارات «CAR»، إن استثمارات المورّدين سجلت «تباطؤاً ملحوظاً» بسبب عدم اليقين المرتبط بالسياسات، بما فيها الرسوم الجمركية، وأضاف أن المورّدين أكثر عرضة لهذه الرسوم لأن قدرتهم على استيعاب تكاليفها لا تماثل قدرة شركات صناعة السيارات الكبرى.
وبحسب بيانات المركز، تراجعت استثمارات المورّدين من أكثر من 8 مليارات دولار في الربع الأول من 2025 إلى نحو 600 مليون دولار خلال الربعين التاليين، قبل أن تسجل تعافياً محدوداً لاحقاً.
وأظهرت استطلاعات رابطة مورّدي المركبات «ميما» أن تغييرات السياسة التجارية الحكومية تعد أكبر تهديد للقطاع خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، وفي أحدث استطلاع، وضع نحو 80 في المئة من الشركات هذه التغييرات ضمن أبرز أربعة مخاطر، إلى جانب ضعف الاقتصاد الأميركي، واحتمال وقوع حدث خارجي استثنائي غير متوقع، وتراجع مبيعات السيارات.
ووفق تعليق من شركة ديلويت أُرفق بالاستطلاع، لم يستطع القطاع تعويض سوى نحو نصف التكاليف الناتجة عن سياسة الرسوم الجمركية، الأمر الذي يفرض ضغطاً مستمراً على هوامش الربح وقد ينعكس سلباً على الأوضاع المالية للمورّدين، وقالت الشركة إن القطاع يعطي الانضباط المالي أولوية على النمو، مع توجيه مزيد من الاستثمارات إلى الأتمتة والروبوتات.
إنتاج مستقر وتوقعات نمو حتى 2030
بعد تراجع خلال معظم عام 2025، ارتفع عدد العاملين في قطاع السيارات الأميركي خلال معظم عام 2026. وبلغ عددهم في سبتمبر أقل بقليل من 1.8 مليون شخص، وفق مكتب إحصاءات العمل الأميركي.
ويمثل ذلك زيادة تقارب 1 في المئة مقارنة بمستوى يناير 2025، حين تولى ترامب منصبه، لكنه يظل أقل بأكثر من 2 في المئة من ذروة العقد الماضي المسجلة في يوليو 2024 خلال رئاسة جو بايدن.
أما إنتاج السيارات في الولايات المتحدة، فبقي مستقراً إجمالاً، ولا يتوقع أن يرتفع قبل نحو عام 2030، مع بدء ظهور نتائج استثمارات جنرال موتورز البالغة 4 مليارات دولار في ميشيغن وكانساس وتينيسي، إلى جانب خطة تويوتا بقيمة 3.6 مليارات دولار لنقل إنتاج شاحنات «تاكوما» من المكسيك إلى تكساس.
وتتوقع «غلوبال موبيليتي» وصول الإنتاج الأميركي إلى 10 ملايين مركبة في 2026، وهو مستوى قريب من العام السابق، قبل ارتفاعه إلى نحو 11.3 مليون مركبة في 2030. وترى برينلي أن جزءاً من هذه الزيادة يرتبط بالرسوم، لكنه يعتمد أيضاً على قرارات الشركات الخاصة بتشغيل طاقات إنتاجية لم تكن مستغلة بالكامل.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق