منذ فجر التاريخ، سيطر حلم الخلود على المخيلة البشرية. وبالطبع، تبدأ هذه الرحلة بملحمة "غلغامش" في بلاد ما بين النهرين، حيث سعى ملك للخلود بعد فقدان صديقه.
وتوالت أساطير "ينبوع الشباب" منذ زمن الإسكندر الأكبر، وصولاً إلى العصر الذهبي للمستكشفين الإسبان في القرن السادس عشر. أما اليوم، فقد انتقل هذا السعي إلى أروقة شركات التكنولوجيا الكبرى.
سعي المليارديرات نحو فك شيفرة الحياة
في العصر الحالي، يوظف مليارديرات التكنولوجيا تقنيات متطورة لتحقيق هذا الحلم. فهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي، والمكملات الغذائية، والعلاجات الطبية الحديثة.
ويهدف هؤلاء من خلال هذه الاستثمارات إلى فك شيفرة العيش لأطول فترة ممكنة. ومن هذا المنطلق، تقدم شبكة CNN سلسلة أصلية بعنوان: "كارا سويشر تريد العيش إلى الأبد". وتتكون هذه السلسلة من ستة أجزاء تتناول هذا الطموح العلمي المتزايد.
تساؤلات حول مدى المشروعية والزيف
علاوة على ذلك، تطرح السلسلة تساؤلات جوهرية حول حدود سعي الإنسان لإطالة العمر. فهي تحاول التمييز بين ما هو علمي ومفيد، وما هو مجرد "زيف" أو وهم تسويقي. وبالإضافة إلى ذلك، تبحث السلسلة في كيفية تمكين عامة الناس من العيش بصحة أفضل، بدلاً من حصر هذه التطورات في فئة الأثرياء فقط.
خلاصة كارا سويشر: أين يخطئ "رواد التكنولوجيا"؟
بعد رحلة استكشافية عميقة، تصل كارا سويشر إلى خلاصة مفادها أن الكثير من استثمارات "رواد التكنولوجيا" تُخطئ الهدف تماماً.
وفي المقابل، تستدرك سويشر بأن هناك طرقاً حقيقية وفعّالة تزيد من عمر الإنسان. والأهم من ذلك، أنها تزيد من "سنواته الصحية". ويعني هذا أن يعيش الإنسان أطول مدة ممكنة بأفضل حال بدني وذهني.
تغييرات تدريجية لصحة مستدامة
وبناءً على هذه الرؤية، تؤكد سويشر أن تحقيق هذا الهدف لا يتطلب دائماً ثروات طائلة. في الواقع، يمكن البدء اليوم بإحداث تغييرات تدريجية وثابتة في نمط الحياة. فبدلاً من التركيز فقط على الحلول التكنولوجية المعقدة، يجب التركيز على الأساسيات الصحية المثبتة علمياً.
وختاماً، تدعو السلسلة المشاهدين لإعادة التفكير في مفهوم "الخلود". فربما لا يكمن السر في العيش إلى الأبد، بل في تحسين جودة الحياة التي نعيشها الآن. وفي نهاية المطاف، يبقى الاستثمار في نمط حياة متوازن هو الطريق الأكثر ضماناً لتعزيز طول العمر والصحة العامة.
جوهر المسألة

تستحضر النقاشات المعاصرة حول طول العمر قصصاً كلاسيكية تضعنا أمام حقائق فلسفية عميقة. ولعل أشهر هذه القصص هي أسطورة "إيوس"، إلهة الفجر، التي وقعت في حب الأمير الطروادي "تيثونوس". ومن فرط حبها، طلبت له الحياة الأبدية من الآلهة. ومع ذلك، ارتكبت خطأً فادحاً حين لم تشترط بقاءه شاباً للأبد. ونتيجة لذلك، عاش تيثونوس إلى الأبد، لكنه استمر في التقدم في السن وتدهورت صحته تدريجياً.
تساؤلات حول جوهر السعي للخلود
ترى كارا سويشر أن هذه الأسطورة تطرح سؤالاً محورياً في نقاشاتنا الحالية. فهي تدعونا للتساؤل: لماذا نريد العيش للأبد؟ وبأي ثمن؟ والأهم من ذلك، ماذا سنفعل بهذا الوقت الإضافي؟ في الواقع، فإن مجرد زيادة السنوات لا يمثل الهدف الأسمى إذا غابت عنها جودة الحياة.
نصيحة الخبراء: اجعل اليوم مهماً
من ناحية أخرى، تؤكد شوان-ماي نغوين، الباحثة في علوم الصحة، أهمية الوعي بالحاضر. فهي تحث مرضاها على تحقيق أقصى استفادة من يومهم الحالي، رغم طموحهم لإضافة سنوات لأعمارهم. وتتساءل نغوين: "إذا كنت ستعيش سنوات إضافية، فما هي الأمور التي تريد القيام بها؟". وبناءً عليه، تدعو الناس إلى أن يكونوا واعيين ومقصودين في أهدافهم الحياتية.
التركيز على المعنى لا على الأرقام
علاوة على ذلك، ترى سويشر أن الساعين وراء "إكسير الشباب" يغفلون حقيقة بيولوجية حتمية؛ وهي أن الموت جزء من التجربة الإنسانية. ومن ثم، قد يكون من الأفضل توجيه الاهتمام نحو بناء علاقات عميقة، وخلق معنى حقيقي، وترك تأثير إيجابي على الآخرين. فبدلاً من التركيز على زيادة عدد السنوات فقط، يجب أن يكون التركيز على قيمة تلك السنوات.
الفجوة بين "طول العمر" و"سنوات الصحة"
في سياق متصل، يشير الدكتور جون باتسيس، اختصاصي طب الشيخوخة، إلى قضية ملحة في مجال الصحة العامة. فالناس اليوم يميلون للعيش لفترات أطول، ولكن هذه الزيادة غالباً ما ترتبط بمخاطر الأمراض المزمنة. وبالتبعية، يرى الدكتور باتسيس أن "العيش لفترة أطول أقل أهمية من العيش بصحة أفضل ومن دون إعاقة".
وتخلص سويشر إلى ضرورة التمييز بدقة بين طول العمر وعدد سنوات الصحة. فالفجوة بينهما لا تزال كبيرة. والهدف الحقيقي الذي يجب أن نسعى إليه اليوم هو تقليص هذه الفجوة. وبالتالي، نضمن لأنفسنا سنوات من الحياة المليئة بالحيوية والقدرة على العطاء، بعيداً عن أشباح المرض والإعاقة.
قطرات في بحر أم استثمار مُجدٍ

إذا كنت تحب الساونا والعلاجات بالضوء الأحمر والتمارين الرائجة، فلا بأس بذلك، إذ قد يكون لها بعض الفائدة البسيطة. لكن الكثير ممّا تروّج له صناعة إطالة العمر يقدّم "قطرات في البحر"، في حين يتم التقليل من قيمة الأمور التي يمكن أن تُحدث الأثر الأكبر، وفق سويشر.
تشير سويشر إلى أن التطورات التكنولوجية في المجال الطبي تحمل وعودًا كبيرة لفئات أوسع من الناس، مثل لقاحات mRNA التي يمكن أن تستهدف حالات مثل السكري، أو العلاج الجيني لمرض فقر الدم المنجلي.
وقالت: "هناك أمور مذهلة يمكن أن تعالج فعليًا كثيرًا من الأمراض التي نعاني منها حاليًا، كما حدث في الماضي البعيد عندما تم القضاء على الكوليرا عبر وسائل تكنولوجية في عصرها".
واستخلصت سويشر من تجربتها بالبحث في مجال الصحة وطول العمر درسًا مهمًا، أنه رغم أن الجينات قد تؤثر على خطر الإصابة بالأمراض، فإن نمط الحياة والوقاية قد يلعبان دورًا كبيرًا في تحديد مدة حياة الإنسان وجودتها.
أسس طول العمر

المشكلة تكمن في تسويق كثير من الأجهزة التكنولوجية المصممة لإطالة العمر كحلّ سحري. وتقول سويشر إن الناس يجدون في هذا الأمر جاذبًا، لكن لا شيء يعمل بهذه السرعة أو البساطة أو الكمال.
وتستدرك: هذا لا يعني أن لا شيء فعّال، إلا أنها استخلصت أربعة أعمدة تركز عليها في حياتها من أجل صحة أفضل وعمر أطول، هي:
- التغذية،
- والرياضة،
- والنوم،
- والتواصل الاجتماعي.
تدعم البيانات هذا الطرح.. فقد وجدت دراسة وُضعت عام 2023، أنّ النوم بين سبع وتسع ساعات يوميًا ارتبط بتحسّن في نتائج طول العمر بنسبة 18%.
كما أنّ اتباع نظام غذائي نباتي زاد فرص العيش لفترة أطول بنسبة 21%.
وارتبطت أدوات إدارة التوتر اليومية بتحسن إضافي بنسبة 22%.
بينما ارتبطت العلاقات الاجتماعية الإيجابية بتحسّن بنسبة 5%، بحسب نغوين التي كانت المؤلفة الرئيسية للدراسة.
وأظهر إدخال التمارين الرياضية تراجعًا بنسبة 46% في خطر الوفاة لأي سبب.
تشير هذه الأرقام إلى تغييرات قوية ومؤثرة.
لكن الهدف، بحسب نغوين، ليس تحويل الأمر إلى هوس بالكمال في كل من جوانب الحياة، بل إجراء تغييرات ممكنة تدريجيًا، مع إدراك أن أثرها قد لا يكون فوريًا لكنه سيكون كبيرًا على المدى الطويل.
ولفتت سويشر إلى أنها تبنّت بعض هذه الاستراتيجيات.. فالنوم أصبح أكثر صعوبة بالنسبة لها بسبب صغر أطفالها، لكنها تمشي بعد الوجبات، وعادت إلى الجري، وتقوم بتمارين القوة.. كما أصبحت أكثر تواصلًا مع عائلتها ومجتمعها من خلال أنشطة جديدة، وتُقدّر الخضار أكثر في وجباتها (لكنها لا تمانع تناول البرغر إذا اشتهته).
وخلصت إلى أنّ "الأشياء المفيدة حقًا مملة وغير مرئية، وبعد 50 عامًا سيكون لها أثر كبير، لن تراه اليوم إسوة بالادخار، فهو يتراكم بمرور العمر".
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق