رصد مركز مرصد المخدرات في الإدارة العامة للأدلة الجنائية بشرطة دبي أكثر من 95 مادة مخدرة ومستقلباتها خلال أقل من عام، ورفعها تمهيداً لإدراجها ضمن القوائم القانونية، وفق ما ذكرته مدير المركز الدكتورة ابتسام العبدولي، ويواصل الفريق متابعة مركبات جديدة قد تظهر لاحقاً، في ظل تغيّر التركيبات الكيميائية التي يلجأ إليها مصنعو المخدرات للتحايل على المواد المحظورة.
ولا يقتصر عمل المرصد على فحص المضبوطات وتحديد نوعها، بل يشمل رصد الوسائل المستحدثة لإخفاء المخدرات وتعاطيها، ومنها سوائل أجهزة التدخين الإلكتروني، والأوراق التي تُرش عليها المواد أو تُذاب فيها، إضافة إلى استخدام قطرات العين في بعض الحالات، بحسب المصدر.
عمل استباقي يتجاوز فحص العينات
وقالت العبدولي إن فكرة إنشاء المرصد استندت إلى خبرات متراكمة في العمل الجنائي والسموم، مع توجه لتوسيع دور المختبرات الجنائية من فحص العينات وإعداد التقارير للنيابة العامة والمحاكم، إلى متابعة استباقية للمواد التي قد تدخل الدولة قبل انتشارها.
وأضافت أن تنوع المواد التي تظهر في القضايا، واختلاف أنماطها بين الجاليات والثقافات، أبرزا الحاجة إلى جهة تتابع المخدرات بوصفها ظاهرة متغيرة، لا باعتبارها عينات منفصلة مرتبطة بقضايا محددة، وأوضحت أن بعض الأنواع قد تكون شائعة لدى جالية معينة، في حين تظهر مواد أخرى لدى جاليات مختلفة.
وأُنشئ المرصد في أغسطس 2023، ثم بدأ العمل بصورة فعلية وفق أولوياته ومتطلباته منذ عام 2025. ووفقاً للعبدولي، بات المركز يقدم دعماً علمياً لصانعي القرار والاستراتيجيات المتعلقة بمكافحة المخدرات، وتصل نتائجه إلى جهات من بينها وزارة الصحة وبلدية دبي وجمارك دبي والمختبرات الجنائية وإدارات مكافحة المخدرات على مستوى الدولة.
وأشارت إلى أن إدراج مادة في القوائم القانونية لا ينهي المواجهة، إذ قد يلجأ المصنعون إلى تعديل تركيبها الكيميائي لإنتاج مركب مختلف ومحاولة تقديمه باعتباره غير مجرّم، لذلك يدرس خبراء المرصد المواد الخام والمركبات والتغيرات المحتملة في تركيباتها، ويقارنونها بما يظهر في القضايا وبالتقارير العلمية العالمية.
وبيّنت أن المرصد يعمل حالياً على ستة أنواع جديدة من المواد اكتُشفت أخيراً، بعد رفع سلسلة من مواد أخرى وإدراجها بالفعل في القانون، كما بدأ الفريق توظيف الذكاء الاصطناعي لتوقع تركيبات محتملة انطلاقاً من المركبات الخام، ثم مطابقة تلك الاحتمالات مع المواد التي تظهر فعلياً في القضايا.
ربط المادة بمؤشرات انتشارها
يمتد دور المرصد، بحسب العبدولي، إلى تحليل مؤشرات مرتبطة بوجود المواد وانتشارها، عبر الربط بين نوع المخدر وتركيزه وأماكن تمركز الأشخاص والمواد الكيميائية التي قد تدخل في تصنيعه، وتصل هذه المعلومات العلمية إلى فرق المكافحة، فيما يبقى الضبط والتعامل الميداني من اختصاص الجهات المعنية.
ولفتت إلى أن المتابعة قد تشمل رصد سلائف كيميائية بكميات غير معتادة في موقع ما، بما يستدعي البحث في احتمال ارتباطها بنشاط غير معتاد، وقالت إنه، وفق الحالات التي تعامل معها المرصد، لا يوجد تصنيع داخلي للمخدرات، وإن المواد التي ظهرت في القضايا كانت تأتي من خارج الدولة.
تتبع المستقلبات داخل الجسم
من جانبه، أوضح خبير أول السموم المهندس فيصل محمد الطنيجي أن المادة المخدرة لا تبقى بالضرورة بالشكل نفسه بعد دخولها جسم الإنسان، إذ يتعامل معها الجسم بوصفها مادة غريبة ويكسرها إلى مركبات أخرى تسمى «المستقلبات»، ولهذا لا يقتصر عمل الفريق على التعرف إلى المخدر في صورته الأصلية، بل يشمل البحث عن المركبات الناتجة عنه داخل الجسم.
وقال إن الخبراء يجرون تجارب مخبرية على المادة المخدرة النقية باستخدام كروموسومات الكبد لمعرفة المركبات التي تنتج عنها بعد دخول الجسم، وأضاف أن هذه المنهجية تقترب من أساليب عمل المختبرات البحثية، وتدعم التعامل مع المواد الجديدة التي لم يسبق التعرف إليها.
وأشار الطنيجي إلى أن أهمية هذا العمل تتزايد مع المخدرات الاصطناعية الجديدة، ومنها مركبات القنبيات المصنعة التي تشبه الحشيش أو الماريجوانا، فالنمط الذي يظهره الجهاز التقليدي قد لا يكون كافياً وحده لمعرفة طبيعة المادة، ما يستدعي استخدام تقنيات متقدمة لتحديد المركب وتأكيد وجوده علمياً.
وضرب مثالاً بالهيروين، إذ يمكن الاستدلال على تعاطيه من خلال المستقلبات التي يخلفها داخل الجسم، حتى إذا لم تعد المادة الأصلية موجودة في العينة بصورتها الأولى، كما تتعامل المختبرات مع المواد الجديدة التي قد تصل في أوراق مرشوشة أو سوائل مخصصة لأجهزة التدخين الإلكتروني، من خلال استخلاصها والبحث عن بصمتها، ثم عزل المواد غير المعروفة وإجراء تحليلات لتحديد كتلتها الجزيئية وتركيبها الكيميائي بدقة.
وأضاف أن الفريق يتواصل مع مختبرات متخصصة حول العالم للتحقق مما إذا كانت المادة قد رُصدت سابقاً، وإذا ثبت أن مختبراً في أوروبا أو الولايات المتحدة تعرف إليها، يجري التنسيق العلمي للاستفادة من النتائج وتأكيد وجود المادة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات المرتبطة بإدراجها ضمن جداول المواد المخدرة الخاضعة للقانون.
دراسة طرق الإخفاء والتعاطي
وقالت خبير أول السموم هدى سليمان سعيد إن أشكال إخفاء المخدرات وتعاطيها لم تعد تقتصر على البودرة أو القطع، مشيرة إلى ظهور مواد في سوائل «الفيب» أو في أوراق تُرش عليها المواد المخدرة أو تُذاب فيها.
وأوضحت أن المرصد ينفذ، بالتعاون مع مؤسسات علمية بحثية، مشروعات لدراسة الفارق بين تعاطي المادة الخام مباشرة وتعاطيها بعد رشها على الورق أو إذابتها، بما في ذلك اختلاف التركيز والكمية التي قد تصل إلى المستخدم، وتهدف هذه الدراسات إلى بناء معرفة علمية بالأنماط الجديدة وبتأثير طرق التعاطي المختلفة في الجسم.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق