الخط
تواجه رابطة الدوري الإسباني وريال مدريد تداعيات تجارية في السوق الصينية بعد تعليق مجموعة الإعلام الصينية الحكومية بث مباريات الليغا عبر منصاتها، فيما حذفت منصة «ميغو» مباراة ريال مدريد وراسينغ سانتاندير المقررة الأحد المقبل من جدولها، وجاءت الإجراءات عقب أزمة أثارتها تصريحات للنجم الفرنسي كيليان مبابي عن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، في وقت ترتبط فيه المسابقة والنادي بعقود بث ورعاية واسعة في الصين.
وأبقت منصة «ميغو»، التابعة لشركة «تشاينا موبايل» الحكومية للاتصالات، على المباريات التسع الأخرى في الجولة، بينما اقتصر الاستبعاد على لقاء ريال مدريد، أما مجموعة الإعلام الصينية، التي تضم شبكة التلفزيون الحكومي «سي سي تي في»، فأوقفت نقل مباريات الدوري الإسباني عبر منصاتها.
جماهير ريال مدريد تحتفل خلال مواجهة ميلان في شنغهاي الصينية عام 2015، في مشهد يعكس الشعبية الواسعة للنادي الإسباني في السوق الآسيوية (غيتي)
وقدّم مبابي اعتذارا عن تصريحاته، كما أصدرت رابطة الدوري الإسباني اعتذارا باسم المسابقة وأنديتها، وتبعها ريال مدريد برسالة أكد فيها احترامه للصين وشعبها وحرصه على الحفاظ على علاقاته في البلاد، واجتمع رئيس الرابطة خافيير تيباس بالسفير الصيني لدى إسبانيا ياو جينغ في محاولة لاحتواء الأزمة.
ولم تخل هذه العقود من خلافات مالية، إذ دخلت الرابطة في نزاع مع شريكها الصيني السابق "سوبر سبورتس ميديا" بشأن مستحقات متأخرة بلغت 45 مليون يورو.
ووفقا لموقع "تو بلاي بوك" الإسباني المتخصص في اقتصاد الرياضة، أسهم عدم تحصيل هذه المستحقات في انخفاض المبالغ الموزعة على الأندية خلال موسم 2024-2025 بنحو 65 مليون يورو مقارنة بالموسم السابق، مما دفع الرابطة إلى ترتيب تمويل بقيمة 16.7 مليون يورو مع بنك سانتاندير لمساعدة الأندية التي احتاجت إلى تعويض نقص السيولة.
وإلى جانب حقوق البث، تحتفظ الرابطة بمكاتب وفرق عمل في الصين منذ افتتاح أول مكاتبها هناك عام 2014، وتوسعت لاحقا في بكين وشنغهاي وهونغ كونغ، كما وقعت اتفاقيات للتعاون الرياضي وتطوير كرة القدم مع المؤسسات الصينية.
وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت الرابطة والاتحاد الإسباني لكرة القدم توقيع مذكرتي تفاهم منفصلتين مع الاتحاد الصيني، تشملان التعاون في التدريب والإدارة وتطوير اللعبة.
15% من مبيعات ريال مدريد و539 مليون يورو من التسويق
وبينما ترتبط مصالح رابطة الدوري الإسباني أساسا بحقوق البث، تمتد أعمال ريال مدريد في الصين إلى بيع القمصان والمنتجات الرسمية وعقود الرعاية والتسويق.
ووفقا لتقديرات نقلتها صحيفة "ماركا" الإسبانية، تمثل السوق الصينية ما بين 10% و15% من مبيعات النادي من القمصان والمنتجات الرسمية خارج إسبانيا، ويعد قميص مبابي من أكثر منتجاته رواجا في البلاد.
ويأتي ذلك ضمن نشاط تجاري واسع للنادي الملكي، الذي أعلن في يوليو/تموز الماضي تحقيق إيرادات تشغيلية قياسية بلغت 1.221 مليار يورو خلال موسم 2025-2026، بزيادة 3.1% عن الموسم السابق.
وأظهرت الحسابات الرسمية لريال مدريد أن إيرادات التسويق بلغت 539 مليون يورو، مقابل 319 مليون يورو من حقوق التلفزيون والمنافسات الدولية، و363 مليون يورو من أنشطة الملعب.
وتضم إيرادات التسويق عقود الرعاية والأنشطة التجارية ومبيعات المنتجات، لكنها تشمل أعمال النادي في مختلف الأسواق، ولا تفصل الحسابات المنشورة حجم الإيرادات التي تأتي من الصين وحدها.
أما نصيب ريال مدريد من توزيعات حقوق بث الدوري الإسباني، فبلغ 157.92 مليون يورو في موسم 2024-2025، ليحتل المركز الأول بين الأندية الإسبانية، متقدما على برشلونة الذي حصل على 156.45 مليون يورو.
وترجع مساعي ريال مدريد لزيادة مبيعاته في الصين إلى سنوات طويلة، إذ أعلن في يوليو/تموز 2015 إطلاق متجر إلكتروني رسمي على منصة "تي مول غلوبال" التابعة لمجموعة "علي بابا"، لبيع قمصان اللاعبين وملابس النادي ومنتجاته التذكارية للمستهلكين الصينيين.
وشارك رئيس النادي فلورنتينو بيريز وعدد من لاعبي الفريق في حفل إطلاق الشراكة بمدينة غوانغجو، ضمن مساعي النادي لتعزيز مبيعاته في السوق الصينية.
وكان ريال مدريد قد عرض خلال قمة تجارية في بكين عام 2017 تقديرات لشركة "نيلسن سبورتس" تشير إلى امتلاكه نحو 97 مليون مشجع في الصين آنذاك، وهو رقم تاريخي يعكس حجم القاعدة الجماهيرية التي استهدفها النادي تجاريا، ولا يمثل إحصاء محدثا لجمهوره الحالي.
من هايسنس إلى روبوروك.. رعاة صينيون في ريال مدريد
وإلى جانب بيع المنتجات، يرتبط ريال مدريد باتفاقيات رعاية مع شركات صينية كبرى، من بينها "لينغلونغ تاير" المصنعة لإطارات السيارات، التي أعلن النادي توقيع شراكة عالمية معها في سبتمبر/أيلول 2024.
وجاء الاتفاق بعد شهر واحد من إعلان شراكة لمدة 3 سنوات مع شركة "هايسنس" الصينية للإلكترونيات والأجهزة المنزلية، لتصبح راعيا إقليميا للنادي في إسبانيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
ورغم أن "هايسنس" شركة صينية، فإن النطاق الجغرافي المعلن لاتفاقيتها مع ريال مدريد يقع خارج الصين، ما يجعل عائدات هذا العقد مختلفة عن مبيعات النادي المباشرة داخل السوق الصينية.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، وسع النادي قائمة شركائه الصينيين بإعلان اتفاقية إستراتيجية عالمية مع شركة "روبوروك"، المتخصصة في الأجهزة المنزلية الذكية والمكانس الكهربائية الروبوتية.
فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد، خلال زيارته متحف القصر الإمبراطوري في بكين عام 2003، في إطار تعزيز حضور النادي الإسباني في الصين (رويترز)
اتفاق بث رقمي يمتد إلى 2030
وقعت رابطة الدوري الإسباني في 3 أغسطس/آب الماضي اتفاقا مع منصة «ميغو» يمنحها حقوق البث الرقمي لمباريات الدرجة الأولى في البر الصيني لأربعة مواسم، من 2026-2027 حتى 2029-2030. ويشمل التعاقد جميع مباريات المسابقة، بواقع 380 مباراة في الموسم و1520 مباراة خلال مدة الاتفاق، إضافة إلى الملخصات والمقاطع القصيرة والمحتوى حسب الطلب.
ويعتمد الاتفاق على نموذج يجمع بين المشاهدة المجانية والاشتراكات المدفوعة، ووفقا للبيانات المالية لشركة «تشاينا موبايل»، بلغ عدد المستخدمين النشطين شهريا لخدمة «ميغو فيديو» عبر منصاتها المختلفة 520 مليون مستخدم في عام 2024، بزيادة سنوية قدرها 12.1%.
ولا يعني هذا الرقم أن جميع هؤلاء المستخدمين مشتركون مدفوعون لمتابعة الدوري الإسباني، إذ لم تكشف الشركة عن عدد مشاهدي الليغا أو الإيرادات التي تحققها من البطولة.
وبحسب صحيفة «موندو ديبورتيفو» الإسبانية، التي نقلت تقديرات مصادر سوقية أوردتها صحيفة «فوزبوبولي»، قد تصل قيمة أعمال حقوق بث الدوري الإسباني في الصين إلى 400 مليون يورو حتى عام 2030، بمتوسط تقديري يبلغ 100 مليون يورو سنويا، غير أن الرابطة وشركاءها الصينيين لم يعلنوا القيمة المالية للعقود أو البنود المتعلقة بتعليق البث أو فسخ الاتفاقيات، ولذلك لا يمكن اعتبار هذا التقدير خسائر مؤكدة.
وإلى جانب اتفاق «ميغو»، أبرمت الرابطة في سبتمبر/أيلول 2024 اتفاقا مع مجموعة الإعلام الصينية خلال زيارة رسمية لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى بكين، ووقع الاتفاق تيباس مع شن هايشيونغ، رئيس مجموعة الإعلام الصينية ونائب رئيس دائرة الدعاية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، لإعادة مباريات الليغا إلى منصات المجموعة.
وذكرت صحيفة «إل موندو» أن ترتيبات البث كانت تتيح للمجموعة الحكومية نقل مباراتين مجانا في كل جولة، إلى جانب المحتوى الرياضي المنشور على منصاتها الرقمية، ويشرح وجود الاتفاقيتين اختلاف الإجراءات الأخيرة، بين وقف البث عبر منصات مجموعة الإعلام الصينية واستبعاد مباراة واحدة لريال مدريد من «ميغو».
أهمية الأسواق الخارجية للدوري الإسباني
حققت رابطة الدوري الإسباني نحو 1.87 مليار يورو من تسويق الحقوق التلفزيونية في موسم 2024-2025، من بينها 748 مليون يورو من الأسواق الدولية، بما يعادل نحو 40% من الإجمالي.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر داخل الرابطة أن الصين والولايات المتحدة تشكلان معا الجزء الأكبر من إيرادات حقوق البث الخارجية، من دون الكشف عن حصة كل سوق.
ويرتبط حضور الليغا في الصين بعقود سابقة؛ ففي عام 2015 أبرمت الرابطة اتفاقا مع منصة «بي بي تي في» التابعة لمجموعة «سونينغ» الصينية بقيمة قاربت 250 مليون يورو، نظير حقوق البث لخمس سنوات.
وفي 2018 انتقلت إدارة الحقوق إلى مجموعة «ووهان دي دي إم سي» الصينية بموجب اتفاق آخر لخمس سنوات، وقدرت مصادر من قطاع الرياضة قيمته حينها بنحو 100 مليون يورو في الموسم، من دون إعلان رسمي للقيمة.
رعاية ريال مدريد وحقوق مبابي
تشمل مصالح ريال مدريد في الصين أيضا اتفاقات رعاية وتسويق وحضور العلامة التجارية في مرافق النادي وأنشطته، ويدرج النادي منصة «كاييون سبورتس» ضمن قائمة شركائه الرسميين، وهي منصة للمراهنات الرياضية ذكرتها وكالة الصحافة الفرنسية ضمن الشركات المرتبطة تجاريا بالنادي.
ولم يعلن ريال مدريد قيمة تلك الاتفاقات، كما لم تكشف الشركات المعنية عن إنهاء شراكاتها معه بسبب الأزمة، ما يعني عدم وجود أساس معلن لاعتبارها خسائر تجارية متحققة حتى الآن.
وتحدثت تقارير صحفية إسبانية عن احتفاظ ريال مدريد بنحو 20% من عائدات عقود الرعاية الجديدة التي يبرمها مبابي بعد انتقاله إلى النادي، في حين تبقى عائدات اتفاقاته السابقة للاعب، لكن تفاصيل عقده مع النادي غير منشورة، ولا توجد بيانات توضح ما إذا كانت أي اتفاقيات صينية فقدها اللاعب تمنح ريال مدريد حصة مباشرة.
خسائر معلنة في عقود اللاعب الشخصية
ظهرت الآثار الأكثر وضوحا للأزمة في عقود الرعاية الخاصة بمبابي، بعدما أعلنت شركات صينية وقف تعاونها معه عقب تداول مقطع مصور تحدث فيه ساخرا عن صورة تجمع وجهه بصورة ماو تسي تونغ.
وكانت شركة «دونغبنغ» للمشروبات من أوائل من أعلن إنهاء التعاون مع اللاعب، بعدما استخدمت صورته وصوته في حملات ترويجية لمشروبها الرياضي خلال الأشهر الماضية، كما اتخذت مجموعة «منغنيو»، وهي من كبرى شركات منتجات الألبان في الصين، القرار نفسه، وشمل ذلك شركة «ميلك غراوند» المتخصصة في منتجات الألبان والجبن والتابعة للمجموعة.
ونقلت صحيفة «لوموند» الفرنسية تقديرات إعلامية لقيمة اتفاقيات دعائية مرتبطة بمبابي في الصين بنحو 50 مليون يوان، أي ما يقارب 6.7 ملايين يورو، لكن صحيفة «إل باييس» الإسبانية أوضحت أن بعض هذه التقديرات تتضمن اتفاقا إعلانيا سابقا مع منصة «شياوهونغشو» انتهى في عام 2024، ولذلك لا يمثل الرقم بالضرورة قيمة العقود التي خسرها اللاعب في الأزمة الحالية.
وامتدت الإجراءات إلى المواد الدعائية الخاصة بالنجم الفرنسي، إذ سحبت منصات صينية مواد ترويجية مرتبطة به، وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إنها لم تجد قمصانا تحمل اسمه خلال زيارة إلى أحد متاجر «أديداس» الكبرى في بكين، بينما استمر عرض قمصان ريال مدريد.
وحتى آخر البيانات المعلنة، استمر تعليق البث عبر منصات مجموعة الإعلام الصينية، فيما لم تعلن «ميغو» إنهاء اتفاقيتها الممتدة حتى عام 2030 واكتفت بإزالة مباراة ريال مدريد المقبلة من جدول البث.
وبذلك تبقى الخسائر المؤكدة محصورة في الشراكات التي أعلنت الشركات الصينية إنهاءها مع مبابي، أما الأضرار المحتملة على ريال مدريد ورابطة الدوري الإسباني فلا تزال غير معروفة بسبب استمرار العقود الأخرى وعدم نشر تفاصيلها المالية.
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…