تطرح السينما الأفريقية المعاصرة نقاشًا متصلاً حول أثر التمويل وشبكات التوزيع الدولية في حرية صناع الأفلام لتقديم مجتمعاتهم وحكاياتهم من منظورهم الخاص، فبينما تحتاج الأعمال السينمائية إلى موارد إنتاجية وفرص للانتشار، يثير تفاوت القوة بين المبدعين والجهات الممولة سؤالًا عن مدى استقلال القرار الفني ومن يملك حق رسم الصورة المعروضة على الشاشة.
وتتداخل في تشكيل هذه الصورة عوامل ثقافية واقتصادية متعددة، من رؤية المخرج والاختيارات الفنية إلى مصالح المنتجين ومتطلبات الأسواق التي تستهدفها الأفلام، لذلك لا يقتصر التمويل على كونه وسيلة لإنجاز العمل، بل قد يرتبط بطبيعة القصة والشخصيات والإيقاع الذي تُقدَّم به التجربة المحلية إلى جمهور خارج حدودها.
تحذير من أثر التمويل في صياغة الحكايات
أشار المخرج النيجيري نيي أكينمولاين إلى هذه المسألة في مقابلة مع قناة «Channels Television» خلال مارس 2026. وقال إن التمويل الأجنبي قد يؤثر في تشكيل الحكايات الأفريقية، خصوصًا عندما يضخ مستثمرون ملايين الدولارات في أعمال موجهة إلى الأسواق الدولية، إذ قد يعاد بناء القصص وفق تصوراتهم للجمهور المستهدف.
وتبرز في هذا الطرح العلاقة بين القوة الاقتصادية والقدرة على التأثير في السرد، فالجهات التي توفر التمويل والإنتاج تمتلك، بدرجات متفاوتة، مساحة للتأثير في خيارات العمل الفنية وفي الطريقة التي تُصاغ بها القصة وتُعرض بها.
وتوفر دراسات ما بعد الاستعمار إطارًا نقديًا لقراءة هذه المسألة عبر مفهوم التمثيل الثقافي، الذي يهتم بكيفية بناء صور المجتمعات في الخطابات الفنية وبموازين القوة التي تحكم ذلك، وقد يؤدي تكرار مشاهد الفقر أو العنف أو الصراعات في بعض الأفلام الموجهة للخارج إلى تكريس صورة محدودة عن أفريقيا، رغم تعدد تجاربها الاجتماعية والفكرية والجمالية.
ويمتد الأثر المحتمل لتوقعات الجمهور الدولي إلى عناصر البناء الدرامي، مثل اختيار الشخصيات، وتقديم الأماكن، وسرعة السرد، وفي بعض الحالات، قد تتحول التفاصيل الثقافية إلى شروح موجهة للمتلقي الخارجي بدل أن تكون جزءًا طبيعيًا من العالم الفني الذي يصنعه الفيلم.
«داهومي» ونموذج الشراكة ذات الرؤية النقدية
في مقابل ذلك، تقدم تجربة الفيلم الوثائقي «داهومي» للمخرجة الفرنسية السنغالية ماتي ديوب نموذجًا مختلفًا للشراكات الدولية، يتناول الفيلم عودة 26 قطعة من التراث الملكي لمملكة داهومي من فرنسا إلى بنين عام 2021، ونال الدب الذهبي في مهرجان برلين عام 2024.
ومن خلال إنتاج فرنسي سنغالي مشترك، عالج الفيلم موضوع الذاكرة الاستعمارية واسترداد التراث بصياغة جمالية، واستند إلى تعليق صوتي شعري يمنح إحدى القطع المستعادة صوتًا للتأمل في مسار عودتها، إلى جانب نقاشات لشباب تتناول دلالات الاسترداد والانتماء.
وتحول هذه المعالجة الواقعة التاريخية إلى تأمل في علاقة الإنسان بماضيه، كما تبرز أن التعاون العابر للحدود يمكن أن يتيح أعمالًا ذات رؤى نقدية مستقلة عندما تتوافر للمبدعين مساحة فعلية للاختيار الفني.
صناديق دعم جديدة واستثمارات مستهدفة
على مستوى المؤسسات، أعلن المركز الوطني الفرنسي للسينما في مايو 2026 إطلاق صندوق بميزانية مليون يورو، ويهدف الصندوق إلى دعم برامج تدريب وتطوير للمؤلفين والمنتجين من أفريقيا جنوب الصحراء وهايتي، وتعزيز حضورهم المهني في الأسواق والمهرجانات الدولية.
وسبق ذلك إعلان البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، في مايو 2025، مبادرة لإطلاق صندوق سينمائي يستهدف تعبئة استثمارات تصل إلى مليار دولار، وتعكس هذه المبادرات اهتمامًا بالقيمة الثقافية والاقتصادية للسينما، وبالحاجة إلى منظومات إنتاج تساعد المبدعين على تطوير مشروعاتهم والتفاوض حول شروط تنفيذها وتوزيعها.
وترتبط هذه المسائل أيضًا بمفهوم العالمية السينمائية، التي تصوغها المهرجانات والمنصات وأسواق التوزيع والمؤسسات المؤثرة في وصول الأفلام إلى الجمهور الدولي، فهذه الأطراف تسهم في اكتشاف الأعمال وإيصالها إلى جماهير جديدة، كما تؤثر اختياراتها في التجارب السينمائية التي تنال حضورًا عالميًا.
ومن ثم، لا ينفصل انتشار الفيلم خارج سوقه المحلية عن العلاقات التي تحكم تداوله، ولا عن قدرة صناعه على الوصول إلى الجمهور مع الإبقاء على استقلال رؤيتهم، وتختلف هذه المعادلة داخل القارة نفسها، بين الصناعة التجارية النيجيرية وتجارب الإنتاج المستقل في السنغال وجنوب أفريقيا وغيرها.
ويشير هذا التنوع إلى أن الهوية السينمائية لا ترتبط فقط بجنسيات الشركاء في الإنتاج، بل بعمق الرؤية وطريقة بناء الشخصيات وحضور الذاكرة الاجتماعية وإيقاع المكان، كما تمتد الأسئلة ذاتها إلى السينما العربية مع توسع الشراكات وبرامج التمويل الدولية، بما يشمل استقلال القرار الفني ودور المؤسسات الوطنية في حماية التنوع الثقافي ووصول الحكايات المحلية إلى العالم بشروط أكثر توازنًا.
وتظل حرية السرد مرتبطة بالبنية الاقتصادية التي تتيح إنتاج الحكايات وتوزيعها، فتنويع مصادر التمويل وتقوية القدرات الإنتاجية المحلية يمنحان السينمائيين مجالًا أوسع لتطوير رؤاهم والمشاركة في رسم صورة مجتمعاتهم، بما يسمح للحكاية المحلية بالوصول إلى العالم من منظور أصحابها.
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…