كشف تحقيق أجرته وكالة رويترز عن شبكة إيرانية عسكرية ومالية تضم أكثر من 5 آلاف كيان، قالت إنها استُخدمت لاستيراد معدات ومكونات يمكن أن تدخل في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة، ولتدبير مشتريات في ظل العقوبات الغربية والحصار البحري الأميركي.

واستند التحقيق إلى آلاف السجلات المصرفية والحكومية، ووثائق تسجيل الشركات، وبيانات الاستيراد، بالتعاون مع شركة «240 أناليتكس» الإسرائيلية الأميركية لاستشارات المخاطر، كما استعان بوثائق نشرها موقع «ويكي إيران»، الذي قالت رويترز إنها لم تتمكن من تحديد القائمين عليه، فيما أكد الموقع أصالة مواده والتحقق من مصادرها عبر اتصالات داخل إيران وخارجها.

عنوان واحد وكيانات مرقمة

بحسب الوثائق التي راجعتها الوكالة، تبدأ أسماء الكيانات بحروف «ودجا»، وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية، ثم تتبعها أرقام تميّز كل جهة، وتحمل جميع هذه الكيانات عنواناً واحداً في طهران، هو عنوان وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة.

وتسجل الجهات نفسها تاريخ 11 فبراير 1979 كتاريخ تأسيس، إلا أن السجلات تشير إلى أن معظمها أُنشئ فعلياً عام 2013، بالتزامن مع تشديد العقوبات وتراجع صادرات النفط وانهيار العملة، وترتبط بعض الكيانات بالحرس الثوري وبمؤسسات اقتصادية شبه حكومية تعرف باسم «البنياد»، تخضع لسيطرة شخصيات من النخبة الإيرانية.

وقال نوام بينستوك، كبير المحللين في «240 أناليتكس»، إن الكيانات المرقمة تمثل «البنية التحتية الخفية» لعمليات الالتفاف على العقوبات، وساعدت أرقام التعريف الحكومية الفريدة في تتبع معاملاتها عبر الحسابات المصرفية والفواتير وبوالص الشحن، حتى عند استخدام شركات واجهة.

ورغم العقوبات المفروضة على مؤسسات عسكرية إيرانية، قالت رويترز إنها لم تجد دليلاً على إدراج الكيانات المرقمة التي تناولتها الوثائق بأسمائها في قوائم العقوبات الغربية.

تسويات دون تحويلات مالية عبر الحدود

وفقاً للتحقيق، تعتمد الشبكة على وسطاء وشركات واجهة خارج إيران يستخدمون عائدات مبيعات النفط الإيراني الخاضعة للعقوبات لشراء السلع ثم شحنها إلى البلاد، وأظهرت بيانات الاستيراد أن 97 بالمئة من الشحنات التي راجعتها رويترز سُجلت بوصفها تسويات «من دون تحويل أموال».

وبدلاً من التحويلات العابرة للحدود، كان الوسطاء يشترون المعدات من خلال أرصدة موجودة في بنوك أجنبية، وأظهرت سجلات مصرفية أن 36 كياناً في الشبكة كانت لديها ودائع بالنقد الأجنبي بقيمة 1.2 مليار دولار حتى نهاية عام 2024، في حين بلغت أرصدة بقية الشبكة بالعملة المحلية ما يعادل نحو 1.8 مليار دولار.

ووصف مياد مالكي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية، هذه المنظومة بأنها «شريان الحياة العسكري للنظام»، قائلاً إنها تتيح تحويل عائدات مبيعات النفط الإيرانية في الخارج إلى مشتريات عسكرية.

واردات مرتبطة بمواد الصواريخ

برز كيان «ودجا 346428» كأحد أكبر المستوردين ضمن الشبكة، إذ أظهرت سجلات قدمتها منصة «إمبورت جينيوس» المتخصصة في بيانات التجارة أن وارداته بلغت 2.3 مليار دولار بين يناير 2025 ويونيو 2026. وشملت هذه الفترة الأشهر الأربعة الأولى من الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي.

وضمت المشتريات مواد كيميائية يمكن استخدامها في إنتاج وقود الصواريخ والمتفجرات، إلى جانب آلات دقيقة قد تدخل في تصنيع هياكل الصواريخ والطائرات المسيرة ومكوناتها، كما شملت الواردات مكونات لمحركات الطائرات وإلكترونيات وشاحنات ثقيلة يمكن استخدامها منصات إطلاق متنقلة.

وقال بيتر سالزبري، الباحث في عمليات نقل الأسلحة الإيرانية والأستاذ المساعد غير المتفرغ في جامعة كولومبيا، إن البيانات تشير إلى جهد واسع لإعادة بناء الترسانة الإيرانية أو توسيعها، وتعكس قدرة منظومة المشتريات على التكيف وإيجاد طرق جديدة.

وأكد خبراء في الأسلحة والعقوبات اطلعوا على نتائج التحقيق أن كثيراً من المواد قد يخدم برامج عسكرية، مع الإشارة إلى أن بعض تلك المواد مزدوج الاستخدام ويمكن أن تكون لها تطبيقات مدنية، وأوضحت رويترز أن سجلات استيراد معينة لم تذكر أوصافاً تفصيلية للشحنات، ولذلك جرى الاعتماد على الرموز الجمركية لتحديد المحتويات والمناشئ المعلنة، من دون تحقق مستقل في كل الحالات.

طرق برية وبحرية وجوية

أظهرت بيانات الاستيراد ووثائق الشحن، بحسب رويترز، أن المعدات وصلت إلى إيران عبر سفن في بحر قزوين قادمة من روسيا، وشاحنات عبر آسيا الوسطى، وطائرات شحن من الصين، واستمرت حركة الشحن خلال الحرب.

وسجلت قيمة الواردات الشهرية تراجعاً بنسبة 47 بالمئة إلى 54 مليون دولار في مارس مقارنة بالشهر السابق، قبل أن ترتفع إلى 77 مليون دولار بحلول مايو، كما تضمنت الوثائق واردات من ألمانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي، شملت شاحنات وإلكترونيات ومكونات لمحركات طائرات.

وتضمنت السجلات مئات الشاحنات من شركة «إيفيكو»، وآلاف المركبات من طرازي «تويوتا هايلوكس» و«لاند كروزر»، وقالت «إيفيكو» رداً على أسئلة رويترز إن لديها ضمانات تعاقدية لمنع وصول منتجاتها إلى جهات محظورة أو استخدامها عسكرياً، لكنها لا تملك السيطرة على منتجات ينقلها أطراف ثالثة لا تجمعها بهم علاقات تعاقدية مباشرة، وأضافت أن وجود شاحناتها في إيران وقع خارج نطاق سيطرتها ومسؤوليتها.

وقالت «تويوتا» إنها لا تمارس أعمالاً في إيران، ولم تشارك في المشتريات التي تناولها التحقيق ولا علم لها بها، من جهتها، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها ليست على علم بالوقائع المعروضة عليها، ورفضت ربط الصين بالأعمال القتالية في المنطقة.

وأكد متحدث باسم الاتحاد الأوروبي أن مسؤولية تطبيق عقوبات التكتل تقع على عاتق الدول الأعضاء، وأن الاتحاد يواصل تقييم المعلومات المرتبطة بتعزيز إيران برنامجي الصواريخ والطائرات المسيرة، ولم تتلق رويترز رداً على طلبات تفصيلية للتعليق من الجهات الحكومية والشركات الإيرانية التي تواصلت معها، ومنها الرئاسة الإيرانية وبعثة طهران لدى الأمم المتحدة في جنيف، كما لم ترد وزارة الدفاع الروسية ووزارة الخزانة الأميركية والبيت الأبيض والقيادة المركزية الأميركية.