قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب الليبي، مبدئياً، استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى، وقررت تكليف عضو مجلس إدارة المصرف الدكتور فوزي مصباح أبوخزام بتسيير المهام بصورة مؤقتة، ويأتي القرار وسط خلاف سياسي ومؤسسي متصاعد، ورفض معلن من المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب توترات أمنية وإدارية في مقر المصرف بالعاصمة طرابلس.

استقالة قديمة وقرار مؤقت

تعود الاستقالة التي استندت إليها هيئة رئاسة مجلس النواب إلى أغسطس الماضي، حين تقدم ناجي عيسى بها، قبل أن ترفضها رئاسة المجلس آنذاك وتطالبه بمواصلة عمله، لكن الهيئة عادت، اليوم الأربعاء، إلى الاستقالة نفسها وأعلنت قبولها مبدئياً.

وقالت الهيئة إن الهدف من الإجراء هو ضمان استمرار العمل وانتظام أداء مصرف ليبيا المركزي، إلى حين عرض الاستقالة رسمياً على الجلسة المقبلة لمجلس النواب لاتخاذ القرار النهائي بشأنها.

وبالتوازي مع القرار، باشرت لجنة مشتركة إجراءات التسليم والتسلم، حيث نُقلت مهام إدارة المصرف إلى فوزي مصباح أبوخزام، بصفته عضواً في مجلس الإدارة، وفقاً للقرار الصادر عن هيئة رئاسة البرلمان.

رفض من المجلس الأعلى للدولة

في المقابل، أعلن المجلس الأعلى للدولة، عبر نائبه الأول ناجي مختار علي، رفضه التام لما وصفه بالإجراء الأحادي الصادر عن هيئة رئاسة مجلس النواب، وطالب بعدم ترتيب أي آثار قانونية أو إدارية عليه، داعياً ناجي عيسى إلى الاستمرار في مهامه.

وشدد المجلس على ضرورة الالتزام بالقانون رقم 1 لسنة 2005 بشأن المصارف، وبالتفاهمات المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ما يتعلق بالمناصب السيادية.

المصرف يتحدث عن انتهاك مقره

ولم يقتصر الخلاف على القرارات المؤسسية، إذ أصدر مصرف ليبيا المركزي بياناً أعرب فيه عن استنكاره دخول قوة وأطراف أخرى إلى مقره، وقال إن ذلك تضمن انتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه.

وحمل المصرف وزارة الدفاع والجهات المشاركة المسؤولية الكاملة عن هذا التجاوز الأمني، مؤكداً تمسكه باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مقره ووثائقه.

قراءات متباينة للتكليف

قال أستاذ الاقتصاد الليبي والمستشار السابق بمصرف ليبيا المركزي خالد الهباوي، في تصريحات خاصة لسكاي نيوز عربية، إن تكليف فوزي أبوخزام يعد تدبيراً مؤقتاً لتسيير الأعمال، وليس تعييناً رسمياً لمحافظ دائم.

واعتبر الهباوي أن تداخل قرار الاستقالة السابق مع المواقف المتباينة للمحافظ أوجد حالة من الضبابية، وأضاف أن الاضطرابات الإدارية وتضارب البيانات الصادرة عن المؤسسات السيادية والنفطية ينعكسان سلباً على السياسة النقدية والمالية، ويؤثران في ثقة الشركاء المحليين والدوليين بالمصرف المركزي.

وأوضح أن منصب المحافظ يرتبط بحساسيات دولية، بالنظر إلى صلة توقيعاته بالاعتمادات المالية لدى مؤسسات دولية كبرى، من بينها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وحذر من أن الصراع القائم يستدعي تحركاً هادئاً وحاسماً لتفادي مزيد من الاضطراب المالي والنقدي.

من جهته، رأى المحلل السياسي وعضو لجنة الحوار المهيكل التابعة للبعثة الأممية للدعم في ليبيا، صبري المبروك، أن التطورات المتسارعة في ملف المصرف المركزي تثير القلق، وقال لسكاي نيوز عربية إن أسلوب إدارة التكليفات والإعفاءات في المناصب السيادية لا يدعم الاستقرار، بل يفاقم الانقسام السياسي والمؤسسي.

وأضاف المبروك أن منظومة الاعتمادات المستندية تحولت، بحسب رؤيته، من أداة لدعم الاقتصاد الوطني إلى مصدر لمكاسب مالية سريعة لفئة محدودة، كما قال إن النشرات الدورية للمصرف تشير إلى استفادة أشخاص وعائلات محددة من مبالغ كبيرة بالعملة الأجنبية، مقارنة بما يحصل عليه عموم الليبيين من سيولة وخدمات.

ودعا إلى إبعاد توزيع النقد الأجنبي عن المحاصصة السياسية، وتفعيل رقابة شفافة وعادلة على الإنفاق والتوزيع لضمان الحقوق دون تمييز.

أما عضو مجلس الدولة الليبي أحمد اهمومة، فرأى أن قبول الاستقالة وتكليف بديل يمثلان، في تقديره، تصحيحاً لمسار قانوني سابق اعتبره مشوباً بعيوب إجرائية، وقال إن استقالة المحافظ سبق أن قُدمت إلى المجلسين، لكن مكتب رئاسة مجلس الدولة رفضها، بحسب قوله، من دون عرضها على الأعضاء للتصويت في جلسة رسمية.

وأشار اهمومة إلى أن المنصب سيادي ويتطلب مداولة وتصويتاً برلمانياً صريحاً، معتبراً أن التكليف الجديد يأتي أيضاً في ظل ما وصفه بعجز ناجي عيسى عن تنفيذ وعود مرتبطة بمعالجة تراجع سعر صرف الدينار الليبي، الذي قال إنه واصل الهبوط إلى مستويات قياسية دون مؤشرات على حل قريب للأزمة.

المصدر: سكاي نيوز عربية