يعيش شبان في ميانمار، ولا سيما في مدينة هبا آن عاصمة ولاية كارين جنوبي البلاد، في ظل مخاوف من الاعتقال وإجبارهم على الالتحاق بالخدمة العسكرية، وفق شهادات سكان وتقارير حقوقية نقلتها بي بي سي عربي، وتأتي هذه المخاوف بعد تفعيل المجلس العسكري الحاكم قانون التجنيد الإجباري، بينما تتواصل الحرب الأهلية التي بدأت عقب انقلاب الجيش في فبراير/شباط 2021.
ويقول زاو مين، وهو اسم مستعار لسائق توك توك يبلغ 26 عاماً في هبا آن، إن أسرته تحذره باستمرار من العمل ليلاً أو نقل الركاب إلى أماكن بعيدة، وأضاف أنه مضطر إلى الخروج لكسب رزقه رغم القلق، مشيراً إلى أن بعض معارفه اقتيدوا بالفعل.
التعليق على الصورة، صدرت أوامر للسلطات في ميانمار بالعمل بحزم على استيفاء حصص التجنيد التي حددها الجيش، ما أدى إلى انتشار الفساد والابتزاز وعمليات الاختطاف
وبحسب سكان محليين، يجوب عناصر من المجلس العسكري ومؤيدون له، بعضهم بملابس مدنية، شوارع هبا آن ويعتقلون بصورة تعسفية أشخاصاً من المراهقين والشباب في العشرينيات والثلاثينيات، لإلحاقهم بالخدمة العسكرية.

التعليق على الصورة، تشير التقديرات إلى أن المجلس العسكري الحاكم في ميانمار جند نحو 100 ألف شاب قسراً منذ مطلع عام 2024.
وذكرت بي بي سي بورمي أنها اطلعت على وثائق مسربة تفيد بصدور تعليمات للسلطات بالتشدد في استيفاء حصص التجنيد التي يحددها الجيش في المناطق الإدارية المختلفة، ويهدف ذلك، وفق التقرير، إلى تدعيم قوات المجلس العسكري في مواجهته مع جماعات مسلحة عرقية ومجموعات مؤيدة للديمقراطية وحركات مقاومة مدنية.

التعليق على الصورة، تقول ما مو سان بان إن ابن عمها هو من باع زوجها لتجنيده في الجيش.
وفرّ عدد من الشبان، بحسب زاو مين، إلى تايلاند أو إلى منازل أقارب في مناطق أبعد، فيما يلتزم من بقي منهم بتعليمات عائلاتهم بالعودة إلى المنازل قبل حلول الظلام.

التعليق على الصورة، مر أكثر من عام منذ أن رأت ما مو سان بان زوجها فيو واي لآخر مرة.
قانون التجنيد وحصص المجندين
بعد نحو ثلاثة أعوام من الانقلاب الذي أطاح الزعيمة المنتخبة ديمقراطياً أونغ سان سو تشي، فعّل المجلس العسكري قانون التجنيد الإجباري، ويلزم القانون الرجال بين 18 و35 عاماً والنساء بين 18 و27 عاماً بالخدمة تحت قيادة الجيش لمدة لا تقل عن عامين، فيما قد تصل عقوبة رفض الامتثال إلى السجن خمس سنوات.
ووصف الرائد ناونغ يو، المسؤول عن الشؤون العسكرية في معهد ميانمار للدفاع والأمن، وهو ضابط سابق انشق عن الجيش وانضم إلى حركة العصيان المدني المناهضة للانقلاب، تفعيل القانون بأنه من أكثر الإجراءات تأثيراً على المدنيين منذ الانقلاب.
وباتت هبا آن من المناطق التي تقول المادة إنها شهدت حملة اعتقالات واسعة، وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى تجنيد نحو 100 ألف شاب خلال العامين والنصف الماضيين، مع ورود اتهامات بأن كثيراً من الحالات تمت بالإكراه أو الابتزاز أو الاختطاف.
وقال ناونغ يو إن قوات الأمن تتابع تحركات الشباب بغرض اعتقالهم بدعوى وقوعهم ضمن الفئات المشمولة بالتجنيد، كما اتهمها بابتزازهم مالياً واعتقال أشخاص خلال تفتيش قوائم المقيمين في المنازل.
وقالت الهيئة المركزية لاستدعاء المكلفين بالخدمة العسكرية في حكومة ميانمار، رداً على استفسار بي بي سي بشأن ما ورد من حوادث تجنيد قسري وادعاءات اختطاف، إنه لا تعليق لديها على المسألة.
وبحسب التقرير، أسهمت التعزيزات في مساعدة النظام على استعادة السيطرة على مزيد من الأراضي، بينما أصبحت قوات المقاومة في مناطق عدة في موقع دفاعي، غير أن استمرار فرار الشباب من التجنيد، سواء للانضمام إلى المقاومة أو لتجنب القتال، دفع بأساليب التجنيد إلى مزيد من القسوة، وفق ما نقلته المادة.
وتقول منظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وفورتيفاي رايتس، إن جيش ميانمار يختطف مدنيين ويجبرهم على الخدمة العسكرية، وفي يوليو/تموز، أعلنت منظمة «ميانمار ويتنس» أنها حللت مئات إعلانات الأشخاص المفقودين المنشورة على فيسبوك بين عامي 2021 و2025.
ووفق نتائج المنظمة، ارتفع عدد إعلانات المفقودين في يناير/كانون الثاني من أربعة إعلانات عام 2021، قبل الانقلاب، إلى 82 إعلاناً في يناير/كانون الثاني 2025 بعد تفعيل قانون التجنيد، وخلص الباحثون إلى أن جانباً كبيراً من التجنيد يبدو، عملياً، قائماً على الاحتجاز والإكراه والإخفاء بدلاً من الاستدعاءات الرسمية، وغالباً من دون إبلاغ العائلات، مع كون الرجال والفتيان غالبية المبلغ عن فقدانهم.
شكوى زوجة في يانغون
في يانغون، قالت ما مو سان بان إنها رأت زوجها فيو واي، البالغ 33 عاماً، للمرة الأخيرة صباح 8 مايو/أيار 2025. وروت أنها تشاجرت معه ثم أخبرت ابن عمها بما حدث، وكان يعمل في المكتب الإداري المحلي للحي، وطلبت منه أن يعيد زوجها إلى المنزل.
وبعد يومين، تلقت اتصالاً من فيو واي قال فيه إنه موجود في مركز للتجنيد العسكري على الجانب الآخر من المدينة، وتزعم ما مو سان بان أن ابن عمها أخذه إلى مكتب إدارة الحي، قبل أن ينقله المكتب إلى إدارة حي آخر مقابل أربعة ملايين كيات، تعادل 900 دولار أمريكي وفق المادة، لاستيفاء حصة التجنيد في ذلك الحي.
وقالت بي بي سي إنها لم تتمكن من التواصل مع ابن عم ما مو سان بان، كما قالت الزوجة إنها فقدت 4.5 ملايين كيات بعدما احتال عليها أشخاص غرباء وعدوها، على نحو زائف، بإطلاق سراح زوجها.
وأقر يو ماونغ ماونغ لوين، المسؤول الإداري في الحي الذي نُقل إليه فيو واي، لبي بي سي بأنه أدى دوراً في إرساله إلى سلطات التجنيد العسكري، وقال إن نقل مجندين من مناطق أخرى قد يحدث عندما تعجز المناطق المحلية عن استكمال حصصها، لكنه نفى تورط مبالغ مالية أو وقوع تجنيد قسري لفيو واي.
وقالت ما مو سان بان إن زوجها أخبرها بأنهم قالوا له إنهم سيساعدونه، ثم جعلوه يوقع أوراقاً، وأضافت أنها كانت قد تتقبل الأمر لو اختير زوجها للتجنيد وفق الإجراءات القانونية، لكنها لا تتقبل، بحسب روايتها، أن يكون مكتب الحي قد باعه لإدارة منطقة أخرى.
وتقدمت المرأة بشكويين إلى الشرطة، الأولى حول بيع زوجها بغرض تجنيده والثانية بشأن فقدانها 4.5 ملايين كيات في عملية احتيال، ووفق قولها، قبلت الشرطة الشكوى لكنها رفضت إدراج اتهامات بالاتجار بالبشر، على أساس أن تلك القضية لا تُسجل إلا إذا بيع الشخص خارج البلاد، ولا تزال لا تعرف مكان زوجها.
اتهامات باستهداف الفقراء واستغلال حصص التجنيد
يرى ناونغ يو أن الضغوط المفروضة لاستيفاء حصص التجنيد، إلى جانب المكاسب المالية، تدفع بعض المسؤولين الأمنيين إلى توقيف الشبان عند نقاط التفتيش، وتعقب العمال واستدراجهم بإعلانات وظائف وهمية، واقتحام المنازل، ووصف هذه الممارسات بأنها، تحت غطاء قانون التجنيد، تحولت إلى نشاط يقوم على العبودية الحديثة والاتجار بالبشر.
وفي أواخر أغسطس/آب، ألقت الشرطة في يانغون القبض على أحد أفراد إدارة الإطفاء التابعة لوزارة الشؤون الداخلية وصهره، بتهمة اختطاف أربعة شبان بهدف بيعهم للتجنيد العسكري، ويُزعم أن قائد وحدة الإطفاء الاحتياطية خدعهم بعروض عمل واستدرجهم إلى منزله، حيث احتجزهم في غرف مخصصة للاحتجاز.
وداهمت الشرطة المنزل في 25 أغسطس/آب وأوقفت المتهم، الذي وُجهت إليه لاحقاً تهمة الخطف أو الاختطاف بقصد الاحتجاز غير القانوني، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى السجن سبع سنوات، وقالت بي بي سي بورمي إنها حاولت مراراً التواصل مع مركز الشرطة الذي يحتجزه من دون نجاح.
وبحسب ناونغ يو، تلجأ هيئات إدارية محلية وعسكريون وعصابات إجرامية إلى وسائل متعددة لاحتجاز الشبان ودفعهم إلى الخدمة، ثم بيعهم إلى وحدات وقيادات عسكرية تعاني نقصاً في الأفراد، أو توفيرهم بديلاً عن أشخاص أكثر ثراء يدفعون المال للإعفاء من التجنيد.
وينص نظام الحصص، من الناحية النظرية، على أن توفر القرى والأحياء والمناطق الإدارية عدداً من المجندين يتناسب مع سكانها، لكن التقرير يقول إن القادرين مالياً يمكنهم الدفع للتهرب من الخدمة، فيما يتحمل الأقل قدرة العبء الأكبر.
وقال الدكتور سانديب سينغ، الباحث في الدراسات العسكرية بجامعة سنغافورة الوطنية، إن هذه الممارسات تبدو جزءاً من مساعٍ لتجنيد شبان لا يرغبون في المشاركة في النزاع، وتعكس صعوبة الوضع الذي يواجهه المجلس العسكري في الحرب الأهلية، وأضاف أن الخوف الناتج عن تكرار وقائع الاختطاف زاد أعباء الشباب وعائلاتهم.
وتفيد المادة بأن خطر التجنيد دفع بعض الشباب إلى النزوح داخل البلاد أو الفرار إلى دول مجاورة، وأسهم في نقص الأيدي العاملة ضمن اقتصاد يعاني تدهوراً حاداً، وفي بيان صدر في يونيو/حزيران، قال معهد ميانمار للدفاع والأمن إن الجنرالات استفادوا من القانون العسكري لإجبار المواطنين على القتال ضد بعضهم بعضاً.
المصدر: BBC عربي
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…