سلط مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الضوء على تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي بشأن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في إفريقيا، والذي خلص إلى أن توافر الكهرباء الموثوقة وبأسعار تنافسية بات عاملاً حاسماً في قدرة الدول على استقطاب استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مع التسارع العالمي في الحوسبة السحابية والخدمات الرقمية.
وبحسب التقرير، لم تعد الكهرباء مجرد تكلفة تشغيلية للمشروعات التقنية، بل تحولت إلى أحد عناصر المنافسة الدولية على الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، ويعزز هذا الاتجاه توقع وكالة الطاقة الدولية بأن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء على مستوى العالم بحلول عام 2030.
تحديات خاصة أمام القارة الإفريقية
تكتسب مسألة الطاقة أهمية أكبر في إفريقيا، التي تعمل على تعزيز حضورها في الاقتصاد الرقمي العالمي، في وقت لا يزال فيه نحو 600 مليون شخص يفتقرون إلى خدمات الكهرباء، كما تواجه القارة تكاليف مرتفعة لتطوير البنية الأساسية للطاقة، بما يشمل قدرات التوليد وشبكات النقل ومحطات المحولات والربط الكهربائي.
وأوضح التقرير أن إنشاء مراكز بيانات كبيرة لا يقتصر على إضافة طاقات جديدة لتوليد الكهرباء، بل يتطلب تجهيز شبكات النقل والبنية المرتبطة بها قبل وصول المشروعات إلى كامل قدرتها التشغيلية، ويعني ذلك الحاجة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة في مرحلة مبكرة، مع بقاء احتمال أن يكون الطلب الفعلي أقل من القدرات التي جرى التخطيط لها.
وتتركز إحدى الإشكاليات في تحديد الطرف الذي يتحمل هذه المخاطر، سواء المستثمرون أو شركات الكهرباء أو الحكومات، فإذا تعاقد مشروع مثلاً على 300 ميجاوات، لكنه استهلك 100 ميجاوات فقط خلال مراحله الأولى أو أوقف توسعات لاحقة، فقد لا تُستغل البنية الكهربائية المنشأة بالكامل، رغم استمرار التزامات تمويلها، وقد تتحمل شركات الكهرباء أو الموازنات العامة جانباً من التكلفة عبر الضمانات الحكومية، أو تنتقل الأعباء إلى المستهلكين عبر تعريفة الكهرباء.
نماذج استثمارية وتمويلية
واستعرض التقرير مبادرة استثمارية أعلنتها شركتا «مايكروسوفت» و«G42» في كينيا عام 2024 بقيمة مليار دولار، وتشمل المبادرة إنشاء مركز بيانات يعتمد على الطاقة الحرارية الأرضية، وتطوير منطقة للحوسبة السحابية لخدمة شرق إفريقيا، فضلاً عن دعم الاتصال الرقمي والمهارات المحلية.
لكن المشروع واجه خلال عام 2026 تأخيرات ارتبطت بمناقشات بشأن حجم المشروع واحتياجاته من الكهرباء وضمانات السداد، وفقاً لما أورده التقرير، واعتبر التقرير أن هذه الحالة تبرز الحاجة إلى اتفاقات مسبقة تحدد الالتزامات المالية وكيفية توزيع المخاطر الناتجة عن تغير الطلب.
وفي جنوب إفريقيا، تتجه بعض الشركات إلى المشاركة المباشرة في تأمين احتياجاتها من الطاقة، وتعمل شركة «Teraco» على تطوير محطة للطاقة الشمسية بقدرة 120 ميجاوات، مع الاعتماد على شبكات النقل القائمة لإيصال الكهرباء إلى مراكز بياناتها، كذلك أبرمت شركة «Africa Data Centres» اتفاقاً لمدة 20 عاماً لتوفير 12 ميجاوات من الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية.
ويرى التقرير أن هذه النماذج تتيح التوسع في البنية الرقمية دون تحميل الحكومات وشركات الكهرباء كامل تكلفة التمويل، ويشمل ذلك مساهمة المستثمرين في تكاليف الربط والبنية الأساسية، وربط التوسع بمراحل التنفيذ الفعلية، وإقرار عقود طويلة الأجل تتضمن حداً أدنى من المدفوعات مقابل القدرات الكهربائية المحجوزة.
وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى تجربة شركة «AEP Ohio» الأمريكية، التي تطبق ترتيبات تعاقدية طويلة الأجل تتضمن حداً أدنى للفواتير يرتبط بالقدرات المتعاقد عليها، مع إمكان طلب ضمانات مالية من كبار المستهلكين، وتهدف هذه الترتيبات إلى تقليص مخاطر إنشاء أصول كهربائية قد لا تعمل بكامل طاقتها.
كما تناول التقرير دور مؤسسات التمويل الدولية، موضحاً أن مؤسسة التمويل الدولية قدمت تمويلاً يصل إلى 100 مليون دولار لدعم تطوير عشرة مراكز بيانات تابعة لشركة «Raxio»، وتبلغ القدرة الإجمالية لهذه المراكز 13.5 ميجاوات، موزعة على سبعة أسواق إفريقية، في نموذج يعتمد على تعبئة التمويل الخاص والتنموي بدلاً من الاعتماد الأساسي على الموارد الحكومية.
فرص مصر والعائد الاقتصادي الأوسع
وأشار التقرير إلى أن التنافس على استثمارات الذكاء الاصطناعي لم يعد مرتبطاً بالحوافز الاستثمارية أو البنية التكنولوجية وحدها، بل أصبح يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين الطاقة والاتصالات والتمويل، بما يدعم استدامة التشغيل ويحافظ على تنافسية التكلفة.
وفيما يخص مصر، أشار العرض إلى فرص الاستفادة من قدراتها في إنتاج الكهرباء، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وشبكة الكابلات البحرية الدولية المارة عبر أراضيها، لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لمراكز البيانات والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية، ويرتبط تعظيم هذه الفرص، وفقاً للتقرير، بتكامل سياسات الطاقة والاتصالات والاستثمار، ووضع نماذج تعاقدية وتمويلية تسمح بزيادة القدرات الكهربائية تدريجياً وفق الاحتياجات الفعلية للمشروعات.
كما شدد التقرير على أن تقييم استثمارات مراكز البيانات يجب ألا يقتصر على حجم رؤوس الأموال المستقطبة، وإنما يشمل آثارها الاقتصادية الأوسع، مثل القيمة المضافة المحلية، وفرص العمل المباشرة وغير المباشرة، والصادرات الرقمية، ونقل التكنولوجيا، وتنمية المهارات، ومدى استفادة القطاعات الأخرى من البنية الأساسية التي توفرها تلك الاستثمارات.
وخلص التقرير إلى أن استفادة الدول الإفريقية من التوسع العالمي في استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تتطلب الموازنة بين جذب الاستثمارات وتلبية احتياجاتها من الطاقة، وبين حماية شركات الكهرباء والحكومات والمستهلكين من مخاطر مالية لا تتناسب مع حجم الطلب الفعلي، واعتبر أن إدارة العلاقة بين الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا بصورة متكاملة باتت ضرورية لتحقيق أكبر قيمة اقتصادية من الموارد والبنية الأساسية المتاحة.
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…