قال الدكتور عبد الوهاب البخاري زائد، الأمين العام لجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي التابعة لمؤسسة إرث زايد الإنساني بديوان الرئاسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، إن مشروعات تستهدف إضافة نحو 5 ملايين نخلة جديدة في مصر يمكن أن تعزز حضورها في الأسواق الدولية للتمور، بشرط أن تقترن بخطة علمية تشمل اختيار الأصناف المناسبة وتطوير مراحل ما بعد الحصاد والتصنيع والتسويق.
وجاءت تصريحات زائد، بحسب ما نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط خلال لقاء صحفي عقد على هامش المهرجان الدولي التاسع للتمور المصرية في واحة سيوة، حيث أكد أن ضخامة أعداد النخيل وتنوع الأصناف ومناطق الإنتاج تمنح مصر مقومات قوية لتعزيز موقعها في صناعة التمور عالمياً.
الإنتاج وحده لا يكفي
وأوضح أن التوسع في زراعة الأصناف التجارية المطلوبة عالمياً يمثل فرصة مهمة، لكنه يحتاج إلى توفير مستلزمات الإنتاج واختيار الأصناف الملائمة للبيئة الزراعية، إلى جانب تطوير منظومة الفرز والتخزين والتصنيع والتعبئة والتغليف والتسويق.
وشدد على أن رفع الإنتاج لا يؤدي بمفرده إلى طفرة في الصادرات، ما لم يترافق مع الالتزام بمعايير الجودة وسلامة الغذاء وقدرة المنتج على تلبية متطلبات الأسواق المستهدفة، واعتبر أن هذه العناصر تتيح تحقيق عائد اقتصادي أفضل للمزارعين والمنتجين.
ولفت إلى أهمية مساندة صغار ومتوسطي المزارعين، عبر إتاحة التخزين المبرد وتحسين عمليات تداول المحصول، وقال إن ذلك يساعد في تقليل الفاقد بعد الحصاد، ويمنح المنتجين فرصة لتسويق إنتاجهم في التوقيت الملائم بدلاً من البيع السريع بأسعار منخفضة.
مرونة النخيل وتحديات القطاع
وقال الأمين العام للجائزة إن النخيل يتميز بقدرة كبيرة على التأقلم مع البيئات الصعبة، بما فيها ملوحة التربة والمياه وندرة الموارد المائية والعواصف، وهي خصائص تسمح له بالاستمرار في الإنتاج في ظروف يصعب على محاصيل أخرى تحملها.
وأضاف أن النخيل يتأثر بالتغيرات المناخية شأنه شأن بقية المحاصيل، إلا أن مرونته الطبيعية تمنحه قدرة أكبر على مواجهة الظروف القاسية، موضحاً أن آثار التغيرات المناخية تبدو أكثر وضوحاً على بعض المحاصيل، مثل الحبوب، مقارنة بالنخيل.
وأشار إلى أن واحات النخيل تشكل نظاماً بيئياً متكاملاً امتد عبر آلاف السنين، ويختلف عن المزارع الحديثة التي أنشئت وفق نظم زراعية مستحدثة، واعتبر أن هذا الامتداد التاريخي ساعد النخيل على التكيف مع محيطه البيئي.
وبحسب زائد، قد تؤثر زيادة الملوحة في سعف النخيل ببعض المناطق، لكن الشجرة تظل قادرة على التحمل، بما يدعم استمرار زراعتها في المناطق الصحراوية والبيئات محدودة المياه أو المرتفعة الملوحة.
البيوض وسوسة النخيل الحمراء
وحذر زائد من مرض البيوض، واصفاً إياه بأنه من أخطر الأمراض التي تهدد زراعة النخيل في شمال إفريقيا، وأوضح أن المرض الفطري يصيب الجذور ويضعف قدرة الشجرة على امتصاص العناصر اللازمة للنمو، فتتدهور حالتها تدريجياً وقد تموت في المراحل المتقدمة.
وقال إن تسمية المرض ترتبط بأحد أعراضه، إذ يتحول لون السعف من الأخضر إلى الأبيض، قبل أن تتطور الإصابة وتؤدي إلى موت السعفة ثم امتداد الأعراض إلى أجزاء أخرى من النخلة.
وأشار إلى أن المغرب فقد، خلال 100 عام، قرابة 8 ملايين نخلة بسبب المرض، إذ تراجع عدد النخيل من نحو 12 مليون نخلة إلى 4 ملايين، وشدد على أن الوقاية هي خط الدفاع الأول، من خلال منع نقل الفسائل المصابة من المناطق الموبوءة إلى المناطق السليمة، إلى جانب اتباع ممارسات زراعية سليمة وتحسين نظم الري.
وأوضح أن الانتقال من الري المفتوح إلى نظم أكثر كفاءة، وفي مقدمتها الري بالتنقيط، يساعد في إدارة المياه بصورة أفضل والحد من الظروف التي قد تسهم في انتشار المرض، وأعرب عن ارتياحه لعدم انتشار البيوض خارج مناطق محددة في شمال إفريقيا.
داعياً إلى استمرار تعاون الدول المنتجة للتمور وتشديد الرقابة على نقل الفسائل، خصوصاً لحماية دول الشرق الأوسط من انتقاله إلى مناطق جديدة، وأضاف أن المخاطر لا تقتصر على البيوض، إذ تمثل سوسة النخيل الحمراء آفة خطرة تهدد النخيل في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وكذلك في بلدان توسعت حديثاً في زراعته، وذكر أن الخطر يمتد إلى دول منتجة للتمور وأخرى تعمل على تطوير القطاع، بما فيها بعض الدول الإفريقية وأستراليا، مؤكداً الحاجة إلى تكثيف الرصد والمكافحة وتبادل الخبرات العلمية والفنية.
التجربة الإماراتية والتعاون مع مصر
وتحدث زائد عن تجربة الإمارات في قطاع النخيل والتمور، قائلاً إنها استندت إلى رؤية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي آمن بدور الزراعة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية رغم صعوبة البيئة والموارد، وأضاف أن الشيخ زايد، منذ تأسيس الدولة عام 1971، وضع أسساً للتنمية الزراعية عبر دعم المزارعين وتوفير الأراضي والإمكانات اللازمة لاستصلاحها رغم تحديات الملوحة والظروف المناخية.
وقال إن هذه الرؤية أسهمت في بناء قطاع متكامل يقوم على البحث العلمي والتكنولوجيا وتطوير الإنتاج والتصنيع والتسويق، وأشار إلى امتلاك الإمارات إمكانات متقدمة لإنتاج فسائل النخيل ومنشآت صناعية كبيرة، من بينها مصنع الفوعة للتمور، الذي تصل صادراته إلى نحو 200 ألف طن سنوياً.
وأكد أن التنافس الدولي في هذا القطاع لا يُقاس بحجم الإنتاج فقط، بل يرتبط بجودة المنتج والقيمة المضافة والتصنيع والتعبئة والتغليف والاستجابة لاشتراطات الأسواق العالمية، كما أشار إلى استفادة الإمارات من موقعها التجاري في استيراد التمور من دول منتجة، بينها السعودية والعراق وباكستان، ثم إعادة تصديرها إلى أسواق مختلفة في عبوات وأوزان متنوعة.
وأوضح أن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي تعمل على دعم القطاع عبر تشجيع البحث العلمي والابتكار وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية والمنتجين والجهات المعنية، ودعا إلى توسيع التعاون بين الجائزة والجهات المصرية المختصة لتطوير الإنتاج والتصنيع والتسويق والاستفادة من الإمكانات المصرية في مجال التمور.
وأضاف أن التعاون الإماراتي المصري في تطوير قطاع نخيل التمر يعكس، بحسب تعبيره، العلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين والشعبين، وقال إن هذه العلاقات تحظى برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، والرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية.
وأشار إلى أن ما تحقق في قطاع النخيل والتمور المصري، ولا سيما في واحة سيوة منذ عام 2015، يمثل شراكات تنموية تشمل نقل المعرفة وتطوير الإنتاج والتصنيع وتحسين فرص المزارعين والمنتجين، بما يدعم المجتمعات المحلية والأمن الغذائي والتنمية المستدامة في البلدين.
وأعرب زائد عن شكره للشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون التنموية وأسر الشهداء ورئيس مجلس أمناء مؤسسة إرث زايد الإنساني، لدعمه جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، وقال إن هذا الدعم يمثل ركيزة لاستمرار رسالة الجائزة وتعزيز مساهمتها في تمكين المزارعين والمنتجين وتحويل المبادرات العلمية والتنموية إلى أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
وختم بالتأكيد على أن مستقبل صناعة التمور يرتبط ببناء منظومة متكاملة تبدأ باختيار الصنف والزراعة، وتمتد إلى الإنتاج والحصاد والتخزين والتصنيع، وتنتهي بالتعبئة والتسويق والتصدير، بهدف تحويل الثروة النخيلية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…