تشهد منظومة التعليم في دولة الكويت تحولاً مهماً مع توجه وزارة التربية لإعادة تطبيق نظام المقررات في المرحلة الثانوية، بعد نحو عشرين عاماً من إيقافه، وذلك ضمن مشروع تعليمي متكامل يستهدف تطوير مخرجات التعليم ومواكبة المتغيرات العالمية، من خلال تبني فلسفة تعليمية حديثة تعزز المرونة الأكاديمية وتنمي مهارات المستقبل لدى الطلبة.
ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية الدولة لتحديث التعليم الثانوي، باعتباره المرحلة المفصلية قبل الانتقال إلى التعليم العالي أو سوق العمل، حيث يسعى النظام الجديد إلى تنويع المسارات التعليمية وتوسيع خيارات الطلبة بما يسهم في بناء شخصية متكاملة معرفياً ومهارياً ووطنياً، ويعزز قدرتهم على مواكبة التحولات المعرفية والتقنية المتسارعة.
ويُعد نظام المقررات أحد النماذج التعليمية الحديثة التي تعتمد على المرونة في اختيار المواد، وتنمية مهارات التفكير الناقد والإبداعي واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، مع مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة وربط التعلم بميولهم وقدراتهم، إضافة إلى تعزيز التفاعل مع المجتمع والتكيف مع متطلبات سوق العمل وتوظيف التقنيات الحديثة في العملية التعليمية.
ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ المشروع مع العام الدراسي 2026-2027، حيث سيتم تطبيقه في مرحلته الأولى على طلبة الصف العاشر الثانوي، ضمن خطة تدريجية تشمل لاحقاً الصفين الحادي عشر والثاني عشر، وذلك وفق تصور متكامل أعدته الإدارة العامة للتوجيه والبحوث والمناهج.
ويؤكد التقرير التربوي أن النظام الجديد يولي أهمية كبيرة لترسيخ الهوية الوطنية الكويتية وتعزيز قيم الانتماء والاعتزاز بتاريخ الدولة وثوابتها، إلى جانب المحافظة على القيم الإسلامية والإنسانية، بما يدعم بناء رأسمال بشري قادر على قيادة التنمية الوطنية في المستقبل.
ويستند نظام المقررات إلى فلسفة تعليمية حديثة تقوم على نظام الساعات الدراسية والمعدل التراكمي، بما يتيح متابعة دقيقة لتقدم الطالب الأكاديمي، إلى جانب تطبيق الإرشاد الأكاديمي الذي يساعد الطلبة على اختيار مقرراتهم وتخطيط مسارهم الدراسي وفق قدراتهم وميولهم وطموحاتهم المستقبلية.
كما يتميز النظام بتنوع أساليب التقويم، حيث لا يقتصر على الاختبارات التقليدية، بل يشمل المشاريع والبحوث والتطبيقات العملية والمناقشات الصفية والعروض التقديمية، مع التركيز على ربط المعرفة بالحياة العملية وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين مثل التفكير الناقد والعمل الجماعي والتواصل.
ويهدف النظام إلى تقليل الهدر التعليمي والحد من التعثر الدراسي، من خلال منح الطلبة مرونة أكبر في بناء خططهم الدراسية، بما يعزز دافعيتهم نحو التعلم ويزيد من فرص نجاحهم الأكاديمي.
ويقوم النظام على ستة مرتكزات رئيسية، تشمل المرونة الأكاديمية، ونظام الساعات المعتمدة، والإرشاد الأكاديمي، والتقويم المستمر، والتكامل بين المقررات، ودمج الهوية الوطنية في المحتوى التعليمي، بما يحقق توازناً بين المعرفة والمهارات والقيم.
كما يقترح المشروع اعتماد مسارين رئيسيين هما مسار العلوم المستقبلية الذي يركز على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار، ومسار الدراسات الإنسانية العالمية الذي يركز على القانون والإعلام والاقتصاد، بهدف مساعدة الطلبة على اكتشاف ميولهم مبكراً.
ويتكون البرنامج الدراسي في الفصل الأول من السنة الأولى من 11 مادة تشمل أربع مواد مشتركة وخمس مواد تخصصية ومادتين اختياريتين، ما يعكس مرونة النظام وتنوع خياراته.
ويعتمد التقويم على قياس الفهم والتطبيق والتحليل والأداء العملي، مع تحديد ضوابط واضحة للنجاح والرسوب، حيث يُعد الطالب ناجحاً إذا حصل على 50 درجة فأكثر، وفي حال الرسوب يعيد المقرر فقط دون الحاجة لإعادة السنة كاملة، مع احتساب المعدل بشكل تراكمي.
كما ينص النظام على منح إنذار أكاديمي للطالب في حال انخفاض معدله إلى 1، ويتكرر الإنذار في حال استمرار المستوى، وفي حال الحصول على خمسة إنذارات يفصل الطالب، مع إشراك ولي الأمر والمرشد الأكاديمي في متابعة الحالة ووضع خطة علاجية.
ويشترط للحصول على شهادة الثانوية العامة تحقيق معدل تراكمي لا يقل عن 1، مع إمكانية دراسة فصل إضافي لتحسين المعدل، إضافة إلى استمرار تطبيق لائحة الغش لضمان النزاهة الأكاديمية.
وتؤكد وزارة التربية أن نجاح هذا النظام يعتمد على شراكة فاعلة بين المدرسة والأسرة والمعلمين والطلبة، بما يضمن تحقيق تعليم ثانوي حديث يلبي تطلعات دولة الكويت المستقبلية ويعزز جودة مخرجاتها التعليمية.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق