رأى الباحث في الفلسفة السياسية خلدون النبواني أن الاحتجاجات وأعمال الشغب في فرنسا تعكس أزمة أوسع من المواجهات في الشارع، ترتبط بضغوط الديون والتقشف والطاقة واتساع الفوارق الاجتماعية، فيما تتداخل تداعياتها مع حسابات القوى السياسية قبل الانتخابات الرئاسية.

وقال النبواني في حديثه إلى سكاي نيوز عربية إن ما يحدث في فرنسا يكشف أزمة بنيوية لا تقتصر على البلاد، بل تمتد آثارها إلى دول أوروبية أخرى، واعتبر أن الطبقات الوسطى والفئات المهمشة تتحمل الجزء الأكبر من كلفة السياسات التقشفية والضغوط الاقتصادية.

مقاربة أمنية وحوار محدود الأثر

وشبّه النبواني طريقة تعامل الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته مع الاحتجاجات بالنهج الذي اتبع خلال حركة «السترات الصفراء»، والقائم على ملاحقة المتورطين في أعمال التخريب من جهة، وفتح مسارات للحوار من جهة أخرى.

وأشار إلى أن ماكرون كان ينتقل بين المدن والبلديات للقاء المواطنين خلال أزمة السترات الصفراء، لكنه وصف نتائج هذه السياسة بأنها «علاج موضعي» يحد من التصعيد من دون أن يصل إلى جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

وبحسب النبواني، وصل التصعيد الأمني في الأحداث الأخيرة إلى مستوى دفع وزير الداخلية إلى تقديم استقالته يوم الإثنين، قبل أن يرفضها ماكرون، وأضاف أن الرئيس تمسك باستمرار القيادة الأمنية وبملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والسرقة.

التعليم في صدارة دوافع الحراك

وأرجع الباحث انطلاق الحراك إلى احتجاجات الأساتذة على أوضاع قطاع التعليم ومخصصاته، قبل أن تلتحق بها مجموعات من طلاب الجامعات ونقابات وحراكات أخرى.

ولفت إلى مجموعة من الإشكالات التي تطال القطاع، بينها مبانٍ مدرسية تجاوز عمر بعضها خمسين عاماً، ونقص في أعداد الأساتذة، إلى جانب شعور بعض الطلاب بعدم تكافؤ فرص الالتحاق بالجامعات من خلال منصة «باركور سوب».

وأشار النبواني إلى رفع مخصصات التعليم في مشروع ميزانية 2027 إلى 64 مليار دولار، متسائلاً عن أثر هذا الإنفاق في تحسين جودة الخدمة التعليمية، مع استمرار الشكاوى المرتبطة بنقص الكوادر وتأخر الإصلاحات.

ووضع هذه التطورات في سياق أزمة اقتصادية متراكمة تفاقمت، وفق تقديره، بعد تداعيات جائحة كورونا، ووصف القرارات الاقتصادية التي اتخذها ماكرون خلال تلك المرحلة بأنها «كارثية»، معتبراً أنها ساهمت في زيادة الدين العام.

ديون وطاقة وسكن

وربط النبواني بين ارتفاع المديونية وتطبيق إجراءات التقشف، قائلاً إن خفض أعداد الأساتذة أو تأجيل إصلاح المدارس بهدف تقليص الإنفاق ينعكس بصورة أكبر على الطبقتين الوسطى والمهمشة.

وأضاف أن أزمة الطاقة تمثل عاملاً رئيسياً في تعقيد المشهد، موضحاً أن الضغوط لا تقف عند الحدود الفرنسية، بل تشمل بلجيكا والبرتغال واليونان وألمانيا، فضلاً عن أزمة السكن في إسبانيا.

وعلى الصعيد الأمني، اعتبر أن أعمال النهب أظهرت ثغرات في القدرة على ضبط المعتدين، وقصوراً استخباراتياً في الاستباق، رغم وجود مؤشرات ومنشورات كانت تنذر بالتصعيد، كما ربط جانباً من الأزمة السياسية بالتوتر في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني ضمن بنية الجمهورية الخامسة.

فصل المتظاهرين عن أعمال النهب

واعتبر النبواني أن استهداف متاجر فاخرة يعكس شرخاً بين الأغنياء وفئات مهمشة في الضواحي الفقيرة، من بينها أبناء مهاجرين لا تتيح لهم أوضاعهم الاقتصادية شراء منتجات تلك المتاجر.

لكنه شدد على ضرورة عدم تحميل الطلاب وباقي المتظاهرين مسؤولية السرقات، قائلاً إن مجموعات تستغل التجمعات لتنفيذ هذه الأفعال، وأشار كذلك إلى مشاركة مجموعات من أقصى اليسار، وإلى استغلال أقصى اليمين لأحداث الشغب.

الاحتجاجات في حسابات الرئاسيات

وقال الباحث إن التباين بين أرقام السلطات وتقديرات النقابات، التي تحدثت عن نحو 750 ألف متظاهر، يكشف وجود صراع سياسي يرافق الاحتجاجات.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، رأى النبواني أن القوى السياسية توظف حالة الغضب في حملاتها، فحزب «فرنسا الأبية» بقيادة جان لوك ميلانشون يركز على الانقسام الطبقي، بينما يحمّل اليمين المتطرف المهاجرين مسؤولية ما يجري ويتهم الحكومة بالتقصير في حماية الشرطة.

وأضاف أن استخدام المشهد الفرنسي في السجال السياسي تجاوز حدود فرنسا، مشيراً إلى أن دونالد ترامب وجي دي فانس استندا إلى الأحداث لمهاجمة سياسات الهجرة لدى الديمقراطيين في الولايات المتحدة.

المصدر: سكاي نيوز عربية