أكدت دار الإفتاء المصرية أن من وافق على حمل سلام شخص لتبليغه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يكون مطالبًا بأدائه بوصفه أمانة، مشيرة إلى أن الأمر يكون آكد في حق زائر النبي إذا قبل هذه المهمة، وأضافت أن من اتخذ أسباب التذكر ثم نسي بعض الأسماء دون تقصير، فلا إثم عليه، وله أن يبلّغ السلام بصورة عامة.
وجاء توضيح الدار ردًا على سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي بشأن حكم طلب توصيل السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما إذا كان أداء هذه المهمة واجبًا على من قبلها، خصوصًا عندما يحمل الزائر سلام عدد كبير من الأشخاص ثم ينسى بعضهم.
وقالت دار الإفتاء إن تحمّل السلام لتبليغه يدخل في باب الأمانة متى رضي الشخص بحمله، وإن السلام الموجّه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون أداؤه أوجب وتبليغه آكد لمن تحمله، ودعت الزائر إلى استخدام الوسائل التي تعينه على تذكر أسماء من حمّلوه هذه الأمانة، وبذل جهده في أدائها.
وفي حال النسيان بعد اتخاذ الأسباب اللازمة وعدم التقصير، أوضحت الدار أن الإثم مرفوع، ويمكن للزائر أن يبلّغ سلام الجميع إجمالًا، بأن يقول: «السلام عليكم يا سيدي يا رسول الله ورحمة الله وبركاته مِن كل مَن حمَّلني أمانة السلام إلى حضرتكم».
السلام من الأمانات
استندت الدار إلى الأمر بأداء الأمانات، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، كما أوردت حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ»، وهو حديث أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في «مسنديهما»، وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، والبيهقي في «السنن الكبرى».
ونقلت عن الإمام أبي حيان في كتاب «البحر المحيط» تعريفه للأمانة بأنها الشيء المؤتمن عليه، وأن مراعاتها تعني حفظه إلى حين أدائه، كما أوردت ما ذكره العلامة المناوي في «التيسير بشرح الجامع الصغير» من أن الأمانة تشمل كل حق يلزم الإنسان أداءه لمن ائتمنه عليه.
وبحسب دار الإفتاء، فإن نقل السلام بين الناس من صور الأمانة، لما يتصل به من المودة والصلة، واستشهدت بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام مسلم، وفيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
وأشارت الدار إلى آثار وردت عن الصحابة والسلف في اعتبار تبليغ السلام أمانة، منها ما روي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه حين بلغه سلام أبي الدرداء بعد ثلاثة أيام، فقال لمن نقله: «أما إنك لو لم تؤدها كانت أمانة عندك»، كما روت واقعة أخرى لسلمان مع الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله البجلي، عندما بلّغاه سلام أبي الدرداء، فقال إن السلام أفضل هدية.
وذكرت أيضًا ما روي عن ابن الحنفية قوله فيمن يطلب من آخر إبلاغ سلامه: «هي أمانة، إلا أن ينسى»، وما نقل عن أبي مجلز من وصفها بالأمانة، كما أوردت مواقف نسبت إلى رجاء بن حيوة والأوزاعي في لوم من تأخر في تبليغ سلام حُمّل به.
أقوال الفقهاء في تبليغ السلام للنبي
أفادت دار الإفتاء بأن عددًا من فقهاء المذاهب المعتمدة نصوا على وجوب تبليغ السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قبله المبلّغ وتحمله، ونقلت عن العلامة الحصكفي في «الدر المختار» قوله إن من طُلب منه إقراء شخص السلام وجب عليه ذلك، مع شرح ابن عابدين في «رد المحتار» بأن الوجوب مرتبط برضا الشخص بتحمّل الأمانة.
كما أوردت ما ذكره العلامة الطحطاوي في حاشيته على «مراقي الفلاح» من أن تبليغ السلام واجب لأنه من أداء الأمانة، ونقلت عن العلامة الزرقاني المالكي في شرحه على «المواهب اللدنية» أن من قبل وصية بإبلاغ السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجب عليه أن يؤديه، فيقول: «السلام عليك يا رسول الله من فلان».
واستشهدت الدار كذلك بما ورد عن العلامة نجم الدين الغزي الشافعي في «حسن التنبه لما ورد في التشبه»، من أن حمل السلام إلى النبي أمانة يتعين على حاملها أداؤها، وأن تحمّل الزوار لهذا السلام فعل محبوب جرى عليه العلماء والصالحون، كما نقلت عن العلامة البهوتي في «دقائق أولي النهى» والعلامة الرحيباني في «مطالب أولي النهى» وجوب تبليغ السلام على من تحمله.
وخلصت دار الإفتاء إلى أن قبول مهمة تبليغ السلام يلزم صاحبه بأدائها باعتبارها أمانة، مع تأكيدها أن من بذل وسعه في الحفظ والتذكر ثم نسي بعض الأسماء لا يؤاخذ على ذلك، ويمكنه أداء ما حمله من سلام بصورة جامعة.
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…