تجري الأمم المتحدة إجراءات اختيار أمينها العام العاشر، الذي من المقرر أن يبدأ ولايته في الأول من يناير 2027 خلفاً لأنطونيو غوتيريش، وتقوم العملية على توصية يصدرها مجلس الأمن ثم قرار تعيين من الجمعية العامة، فيما يظل موقف الدول الخمس الدائمة العضوية عاملاً حاسماً في تحديد المرشح الذي يصل إلى المرحلة النهائية.

مسار الترشيح والتعيين

تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الجمعية العامة تعيّن الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن، لذلك تنقسم العملية عملياً إلى مرحلتين مترابطتين: اختيار مرشح داخل مجلس الأمن، ثم اعتماد تعيينه من قبل الجمعية العامة.

وبحسب القرار 79/327 الذي اعتمدته الجمعية العامة في 5 سبتمبر 2025، تبدأ الإجراءات برسالة مشتركة يوجهها رئيس الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن إلى الدول الأعضاء، لدعوتها إلى تقديم الترشيحات، وانطلقت العملية الحالية رسمياً في 25 نوفمبر 2025.

ويحق لكل دولة عضو أن ترشح شخصية واحدة، بصورة منفردة أو بالتعاون مع دول أخرى، كما يمكن للدولة سحب اسم مرشحها وتقديم بديل عنه، ويلتزم المرشحون بتقديم سيرهم الذاتية وبيانات عن تصوراتهم لمستقبل المنظمة، إضافة إلى الإفصاح عن مصادر تمويل حملاتهم.

وتغيرت إجراءات الاختيار منذ عام 2016، إذ أصبحت أسماء المرشحين وبرامجهم متاحة علناً، مع تنظيم جلسات حوار تفاعلية تبث للجمهور، وتتيح هذه الجلسات للدول الأعضاء ولممثلي المجتمع المدني مناقشة المرشحين بشأن خبراتهم وأولوياتهم في ملفات السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان.

الاقتراعات الاسترشادية وحدود الفيتو

بعد تقديم الترشيحات، ينتقل المسار إلى مجلس الأمن المؤلف من 15 عضواً، ويجري المجلس اقتراعات استرشادية غير رسمية، يختار فيها الأعضاء بين «تشجيع» و«عدم تشجيع» و«لا رأي» لكل مرشح، بهدف قياس مستوى الدعم وفرص التوافق قبل التصويت الرسمي على التوصية.

ولا تعد هذه الاقتراعات قراراً نهائياً، وفي المراحل المتقدمة، تستخدم أوراق اقتراع مميزة للدول الخمس دائمة العضوية، وهي روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، للتمييز بين مواقفها ومواقف الأعضاء العشرة المنتخبين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة كشف هوية كل دولة معترضة.

ولا يشكل اختيار دولة دائمة العضوية خيار «عدم التشجيع» في الاقتراع الاسترشادي استخداماً قانونياً لحق النقض، لكنه قد يشير إلى احتمال اعتراضها على المرشح في التصويت الرسمي، ولإقرار توصية مجلس الأمن، يحتاج المرشح إلى تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، من دون تصويت أي عضو دائم ضده، أما امتناع عضو دائم عن التصويت فلا يمنع اعتماد التوصية إذا توافر العدد المطلوب من الأصوات.

وعند اتفاق مجلس الأمن على اسم، يصدر قراراً رسمياً بالتوصية بتعيينه ويحيله إلى الجمعية العامة، ووفق قرار الجمعية العامة رقم 11 لعام 1946، يكفي عادة حصول المرشح على أغلبية بسيطة من الدول الحاضرة والمصوتة، ما لم تقرر الجمعية العامة اعتماد أغلبية الثلثين.

وتنص المادة 141 من النظام الداخلي للجمعية العامة على مناقشة توصية مجلس الأمن والتصويت عليها سراً في جلسة خاصة، إلا أن الممارسة الفعلية استقرت على إقرار التعيين بالتزكية في جلسات علنية، فيما يقدم مجلس الأمن عادة مرشحاً واحداً، ما يمنحه التأثير الأكبر في تحديد هوية الأمين العام المقبل.

احتمال اختيار أول امرأة للمنصب

تشجع قرارات الجمعية العامة الدول الأعضاء على ترشيح النساء، إذ لم تتول امرأة منصب الأمين العام منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، غير أن اختيار امرأة لا يمثل شرطاً قانونياً في عملية التعيين.

ويرى مجلس العلاقات الخارجية أن المنافسة تتصاعد لاختيار الأمين العام المقبل، والذي يجري اختياره وتعيينه عادة بين أكتوبر وديسمبر من السنة الأخيرة لولاية الأمين العام القائم، ووفق المجلس، يمكن أن تكون هذه العملية الأولى التي تقود إلى اختيار امرأة لرئاسة المنظمة، إذ إن ثلثي المرشحين من النساء.

وأشار المجلس إلى أن الأمين العام الجديد سيقود منظمة يبلغ عمرها 81 عاماً في ظل ملفات تشمل الإصلاحات الداخلية والعجز الحاد في التمويل وتغير المناخ والذكاء الاصطناعي وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

ووصف مجلس العلاقات الخارجية الأمين العام بأنه المسؤول الإداري الأول في الأمم المتحدة، ورئيس منظومتها بحكم الواقع، وأنشئ المنصب بموجب ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، ويجمع بين أدوار الدبلوماسي والمدافع عن القضايا والموظف المدني والرئيس التنفيذي.

وتولى النرويجي تريغفي لي المنصب عام 1946. ووسع الأمناء العامون السابقون نطاق مهامهم بطرق مختلفة، إذ أدى داج همرشولد بين عامي 1953 و1961، وأو ثانت بين عامي 1961 و1971، دوراً أكبر في الوساطة، بينما عُرف كوفي عنان، الذي شغل المنصب بين 1997 و2006، بنشاطه ومبادرته في الدفع نحو التغيير.

لانا نسيبة في الحوار التفاعلي

ومن بين المرشحات، تناول مجلس العلاقات الخارجية ترشح الإماراتية لانا زكي نسيبة، وزيرة الدولة في وزارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي حصلت على إجازة من مهامها للتفرغ لحملتها. 

وشغلت نسيبة سابقاً منصب مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية، وسفيرة دولة الإمارات وممثلتها الدائمة لدى الأمم المتحدة، كما أسست وأدارت إدارة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية.

وبحسب المجلس، تركز رؤيتها على حلول متعددة الأطراف للمشكلات العالمية، والاستفادة من الخبرات والشراكات والوجود الميداني المتاح للأمم المتحدة، مع توظيف ما تصفه بالدبلوماسية الهادئة للحيلولة دون تصاعد النزاعات.

وقبل يومين، تحدث السفير جيهون تشا باسم تسع دول أعضاء سبق أن شغل مواطنون منها منصب الأمين العام، وهي النرويج والسويد وميانمار والنمسا وبيرو ومصر وغانا وجمهورية كوريا الجنوبية والبرتغال، واستعرض تشا دروساً من قيادات الأمم المتحدة السابقة وتطلعات تتصل بمستقبل المنظمة.

وخلال جلسة حوار تفاعلية، استمع سفراء هذه الدول إلى نسيبة، وطرح السفير الكوري الجنوبي تشا سؤالاً حول الخبرات والرؤى والنهج الذي يمكن أن تقدمه للمنصب، وكيفية قيادتها للأمم المتحدة في مواجهة التحديات العالمية الراهنة.

وقالت نسيبة إن برنامجها يهدف إلى «إعادة بناء الثقة في المنظمة الدولية، وذلك من خلال دبلوماسية حازمة، وإبرام اتفاقيات عملية لتحقيق السلام، وإجراء إصلاحات تركز على تحقيق نتائج ملموسة».

وأضافت أن الأمم المتحدة تتعرض لضغوط كبيرة في وقت يتزايد فيه اعتماد الأمن والازدهار والمستقبل المشترك على قرارات لا تستطيع دولة واحدة اتخاذها بمفردها، واعتبرت أن استعادة الثقة، بوصفها شرطاً لاتخاذ مثل هذه القرارات، ينبغي أن تكون في صميم عمل المنظمة.

وقالت: «لم تُنشأ الأمم المتحدة لتكون في حالة اتفاق دائم مع العالم بل أُنشئت لتساعد العالم على التوصل إلى اتفاق».

وأوضحت نسيبة، استناداً إلى خبرة قالت إنها تمتد لأكثر من عقد داخل أروقة الأمم المتحدة، أن التقدم لا يقتضي اختفاء الخلافات بين الدول، بل يتطلب دبلوماسية مصممة على التعامل معها وإيجاد أرضية مشتركة.

وعرضت برنامجاً يتناول السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان والإصلاح المؤسسي، إلى جانب قضايا قالت إنها ستؤثر بصورة متزايدة في عمل الأمم المتحدة، ومنها تزايد أعداد الشباب حول العالم والذكاء الاصطناعي والتغير المناخي.

ودعت نسيبة إلى تفعيل المساعي الحميدة للأمين العام في وقت مبكر وبأهداف أوضح، للتدخل قبل أن تتفاقم النزاعات وتتحول إلى حروب، وفي ردها على أسئلة بشأن دور الأمين العام في التعامل مع النزاعات، أكدت استعدادها لخوض المخاطر السياسية من أجل السلام. 

وقالت إن رؤيتها تقوم على تعزيز مرونة الأمم المتحدة في العمل مع المنظمات الإقليمية والشركاء الذين يحظون بثقة أطراف النزاع، وكذلك الأطراف الأقرب إلى بؤر الصراع.

المصدر: RT Arabic