قد تؤثر انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في البيئة السياسية والمالية المحيطة بحرب إيران، من خلال صلاحيات المشرعين في الإنفاق والرقابة والتشريع، وبينما يملك الرئيس الأميركي دونالد ترامب صلاحيات واسعة لإدارة العمليات العسكرية، فإن استمرارها وتكلفتها يرتبطان أيضاً بقرارات الكونغرس، بما قد يمتد أثره بصورة غير مباشرة إلى أسواق النفط والتضخم.

ولا يتعلق الأمر بقدرة الكونغرس على إنهاء الحرب بقرار منفرد، بل بقدرته على تعديل شروط التمويل، وتكثيف الرقابة، وفرض نقاش سياسي حول أهداف العمليات وكلفتها، وتزداد أهمية هذا الدور مع اقتراب الانتخابات، في ظل احتمال تغير موازين القوى بين الجمهوريين والديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ.

صلاحيات عسكرية للرئيس وتمويل بيد الكونغرس

يقوم النظام السياسي الأميركي على توزيع الصلاحيات بين البيت الأبيض والكونغرس، فالرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يتولى إدارة العمليات العسكرية والقرارات التنفيذية المرتبطة بالأمن القومي، في حين يملك الكونغرس سلطة إقرار الإنفاق الحكومي، بما يشمل المخصصات الدفاعية، إلى جانب أدوات تشريعية ورقابية تتصل باستخدام القوة العسكرية.

ويبرز هذا التقسيم في الفرق بين اتخاذ قرار عسكري وبين توفير الأموال اللازمة لتبعاته، فالعمليات تحتاج إلى اعتمادات لتمويل الإمدادات والخدمات اللوجستية وتعويض المعدات المستهلكة أو المتضررة، فضلاً عن تكاليف التشغيل الأخرى.

وبحسب تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس صدر في أكتوبر 2026، طلبت الإدارة الأميركية تمويلاً إضافياً للسنة المالية 2026 يشمل نحو 67.1 مليار دولار للعمليات المرتبطة بإيران وأنشطة دفاعية أخرى، ولا يشير هذا الرقم بالضرورة إلى التكلفة الإجمالية للحرب، لكنه يعكس حجم الضغط الذي يمكن أن تفرضه العمليات على الإنفاق الفيدرالي.

نتائج الانتخابات وأدوات الرقابة

إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، فقد تكون أمام إدارة ترامب فرصة أكبر لتمرير بعض طلبات التمويل والتشريعات المرتبطة بالحرب، شرط بقاء التوافق داخل الحزب، أما إذا حصل الديمقراطيون على أغلبية في أحد المجلسين، فقد تتعقد المفاوضات بشأن الإنفاق.

وقد تستخدم الأغلبية المعارضة جلسات الاستماع والمطالبات بتفاصيل إضافية عن تكلفة العمليات، أو تربط بعض المخصصات بشروط رقابية أو بأهداف سياسية محددة، ومع ذلك، لا يؤدي اختلاف الأغلبية بين مجلسي النواب والشيوخ تلقائياً إلى وقف التمويل، إذ تخضع القوانين والموازنات لمسارات دستورية وتشريعية متعددة.

ويتوقف الأثر الفعلي لنتائج الانتخابات على حجم الأغلبية وتماسك الأحزاب ومواقف الأعضاء وقدرة الأطراف على التوصل إلى تسويات، لذلك، قد يتغير إطار إدارة الحرب المالي والسياسي من دون أن يتوقف القتال فوراً.

مخصصات إضافية ومسار إنفاق لم يحسم

أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس، المحدّث في 5 أكتوبر 2026، إلى طلب التمويل الإضافي البالغ 67.1 مليار دولار للعمليات ضد إيران وأنشطة دفاعية أخرى، كما تبنى مجلس النواب قراراً يمهد للنظر بوتيرة أسرع في تشريعات قد تتيح 60 مليار دولار إضافية للإنفاق الدفاعي الإلزامي ابتداءً من السنة المالية 2027.

ولا يعني هذا المسار التشريعي إقرار الأموال بصورة نهائية، لكن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تضيف ضغوطاً إلى الموازنة الأميركية، ولا سيما إذا جرى تمويلها بالاقتراض، ما يفتح نقاشاً حول أثر ذلك في العجز المالي وأولويات الإنفاق الداخلي.

قيود محتملة لا توقف تلقائياً

يمنح قانون سلطات الحرب لعام 1973 الكونغرس دوراً في متابعة استخدام القوات الأميركية، ويتضمن أحكاماً عن الإبلاغ والتشاور والمدة التي يمكن خلالها استمرار بعض العمليات من دون تفويض تشريعي، إلا أن تطبيق هذه الأحكام ظل موضع خلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، خصوصاً في ما يتصل بحدود صلاحيات الرئيس المستقلة.

ويستطيع الكونغرس محاولة تقييد العمليات عبر تشريعات أو شروط تضاف إلى التمويل، غير أن فرض قيود ملزمة قد يواجه عقبات سياسية وتشريعية، من بينها احتمال استخدام الرئيس حق النقض، لذلك، فإن فقدان الجمهوريين الأغلبية في أحد المجلسين قد يرفع الضغوط على الإدارة، لكنه لا يعني بالضرورة توقف الحرب في اليوم التالي.

مضيق هرمز وأسعار الطاقة

تتصل التداعيات الاقتصادية للحرب بأسواق الطاقة، ولا سيما بحركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبر المضيق خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات البترولية، بما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية.

وقالت الإدارة إن خطوط الأنابيب البديلة يمكنها استيعاب جزء من التدفقات، لكنها لا تستطيع تعويض جميع الكميات التي تعبر المضيق، ولذلك قد يؤثر أي تغير في المخاطر الأمنية أو في حركة الناقلات في أسعار النفط، سواء عبر مخاوف الإمدادات أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن.

وإذا ساهمت الضغوط السياسية في تقليل التصعيد وتحسين أمن الملاحة، فقد تنخفض علاوة المخاطر التي يضيفها المتعاملون إلى سعر البرميل، أما اتساع الاضطرابات أو استمرارها فقد يزيد القلق بشأن الإمدادات، ويرفع تكاليف النقل والتأمين.

من النفط إلى التضخم

لا يقتصر أثر ارتفاع النفط على أسعار الوقود، إذ تدخل الطاقة في كلفة النقل والشحن والصناعة والزراعة، وقد ينتقل ارتفاع التكلفة تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، فيما تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة زيادة في فاتورة الواردات وضغوطاً على القوة الشرائية للأسر.

وقد تصبح مهمة البنوك المركزية أكثر تعقيداً إذا اجتمع ارتفاع التضخم مع تباطؤ النمو، لأن خفض أسعار الفائدة لتحفيز النشاط قد يكون أصعب في هذه الحالة، لكن هذا الأثر ليس تلقائياً، إذ يعتمد على مدة صعود أسعار النفط ومدى انتقال الكلفة إلى المستهلكين والسياسات الاقتصادية المتبعة.

ووفق ما أشارت إليه وكالة أسوشيتد برس، ركزت حملات انتخابية مرتبطة بالحرب بصورة متزايدة على أسعار الوقود والسلع، في محاولة لربط السياسة الخارجية بالأعباء الاقتصادية التي يتحملها الناخب الأميركي. 

ومع ذلك، لن تحدد انتخابات الكونغرس وحدها مسار الحرب أو اتجاه أسعار النفط، إذ تبقى القرارات العسكرية والدبلوماسية ومواقف الأطراف الإقليمية والطلب العالمي على الطاقة عوامل مؤثرة أيضاً.