وتحمل الدراسة عنوان «الضفة الغربية وسياسات الضم الإسرائيلية، من إدارة الصراع إلى حسمه»، وهي تنطلق من أن الضم لا يقتصر، في تقديرها، على إعلان رسمي لفرض السيادة، بل قد يتكون من خطوات متراكمة تدمج مناطق في الضفة بمؤسسات وشبكات إسرائيلية وتعيد تنظيم الوصول إلى الأرض واستعمالها.

من ترتيبات مؤقتة إلى واقع أكثر رسوخاً

وتفرق الدراسة بين مفهوم «إدارة الصراع» ومفهوم «حسمه»، فالأول، وفق عرضها، يقوم على استمرار السيطرة وتنظيم شؤون الأرض والسكان مع بقاء إمكان التسوية السياسية قائماً، بينما يعني الثاني إعادة تشكيل الواقع على نحو يرجح نتيجة سياسية محددة ويقلص البدائل المتاحة.

وتشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، المستمر منذ عام 1967، قام مؤسسياً على سلطة عسكرية لا تمنح إسرائيل السيادة على الأراضي المحتلة، كما نظمت الاتفاقية المرحلية في اتفاقيات أوسلو، الموقعة في سبتمبر 1995، الصلاحيات الأمنية والإدارية من خلال تقسيم الضفة إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج»، مع إبقاء قضايا الوضع النهائي للتفاوض.

وبحسب الدراسة، أدى تعثر مسار التسوية إلى استمرار هذه الترتيبات المؤقتة فترة طويلة، وترى أن السنوات الأخيرة شهدت توظيفاً أكثر ترابطاً لأدوات قائمة، من بينها المستوطنات والطرق والتخطيط وإدارة الأراضي، بما ينتج واقعاً جغرافياً وإدارياً يصعب التراجع عنه أو تفكيكه.

الضم الفعلي وتراكم الإجراءات

تستخدم الباحثة مفهومي «الضم الفعلي» و«الضم الزاحف» لشرح هذا المسار، وتعرف الضم الفعلي بأنه ممارسة صلاحيات تشبه السيادة الدائمة من دون إصدار إعلان قانوني صريح، فيما تصف الضم الزاحف بأنه تراكم إجراءات محدودة ومتتابعة تغير طبيعة السيطرة على الإقليم مع الوقت.

وتستند الدراسة إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الاستيطان واستغلال الموارد والتدابير الرامية إلى تكريس السيطرة، وتقول إن القضية لا تقتصر على مساحة الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، بل تشمل تحويل السيطرة إلى ترتيبات إدارية ومؤسسية مستقرة.

توسيع صلاحيات سموتريتش

وتخصص الدراسة جانباً لدور وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي مُنح كذلك صلاحيات مدنية واسعة مرتبطة بالضفة الغربية ضمن وزارة الدفاع، وتعده من الشخصيات الرئيسية في نقل التصورات الأيديولوجية إلى إجراءات حكومية، بالنظر إلى ارتباطه بـ«خطة الحسم» وقدرته على التأثير في ملفات الأراضي والاستيطان والتخطيط والبناء.

وتعود الدراسة إلى عام 2017، عندما طرح سموتريتش «خطة الحسم» الرافضة لإدارة الصراع أو تسويته عبر التفاوض، والداعية، بحسب الدراسة، إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وتوسيع الاستيطان وتقليص إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة، ومع تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو السادسة في ديسمبر 2022، ثم ترتيبات توزيع الاختصاصات في فبراير 2023، توسعت مسؤوليات سموتريتش في الشؤون المدنية بالضفة الغربية.

وشملت هذه الصلاحيات، وفق الدراسة، ملفات الأراضي والمستوطنات والتخطيط والبناء والبنية التحتية وتنظيم البؤر الاستيطانية، وترى الباحثة أن تحويل جزء من هذه الملفات من الإطار العسكري إلى مسؤولين مدنيين يملكون تأثيراً سياسياً أكبر يمثل تغييراً في بنية إدارة الاحتلال، وليس مجرد تعديل إداري.

كما تتناول الدراسة إنشاء «إدارة الاستيطان» داخل وزارة الدفاع، واستحداث منصب نائب مدني لرئيس الإدارة المدنية، وتعيين هيلل روت في هذا المنصب في مايو 2024. وارتبطت هذه التغييرات، بحسب الدراسة، بنقل صلاحيات تخص إدارة الأراضي والتخطيط والبناء والتراخيص والرقابة والنشاط الاقتصادي والبيئة والمحميات والآثار، بينما بقيت القضايا الأمنية وبعض جوانب إدارة حياة الفلسطينيين ضمن الإطار العسكري.

وتوضح الباحثة أن إنشاء المؤسسات يتيح إصدار قرارات تتحول لاحقاً إلى خطط وموازنات ومشروعات ميدانية، ومن ثم، فإن تغيير الحكومات لا يؤدي بالضرورة إلى إزالة المؤسسات أو الإجراءات والوقائع التي أرستها حكومات سابقة.

الأرض والطرق والمستوطنات

وترتبط التحولات الإدارية، في الدراسة، بالتغيرات الواقعة على الأرض، فهي ترى أن قياس الاستيطان لا ينبغي أن ينحصر في عدد الوحدات السكنية أو مساحة المستوطنات، لأن الطرق والخدمات والبنية التحتية وعلاقة المستوطنات بالتجمعات الفلسطينية تؤثر في الوصول إلى الأرض وحركة السكان وفي إمكان التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية.

وتشير إلى إعلان إسرائيل، في مارس 2024، تصنيف نحو 800 هكتار في غور الأردن بوصفها «أراضي دولة»، إلى جانب إجراءات مماثلة في مناطق أخرى، ووفق الدراسة، يمكن أن يتيح تبدل التصنيف الإداري استخدام الأرض لمشروعات استيطانية أو بنى تحتية تخضع للتخطيط الإسرائيلي.

وتلفت الدراسة إلى الفرق بين امتلاك الأرض قانونياً والقدرة العملية على استخدامها، فالفلسطيني قد يحتفظ بملكية أرضه، لكنه يواجه قيوداً على الوصول إليها أو البناء فيها أو الانتفاع من مواردها، تشمل الطرق والتراخيص والمياه ومناطق الرعي والإجراءات الأمنية، وفي المقابل، يعزز تطوير البنية المخصصة للمستوطنات اتصالها بشبكات الطرق والخدمات الإسرائيلية.

مشروع E1 وتواصل الضفة

وتعرض الدراسة مشروع «E1» الاستيطاني بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم بوصفه مثالاً على أثر التخطيط العمراني في مستقبل الصراع، وتربط أهمية المشروع بموقعه وما يمكن أن يسببه من صعوبات أمام التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها والقدس الشرقية، لا بعدد الوحدات السكنية وحده.

وتذكر أن مناقصة إسرائيلية نُشرت في 18 أغسطس 2026 لبناء 1234 وحدة سكنية في المنطقة، وأثارت اعتراضات وتحذيرات دولية، وترى الباحثة أن تنفيذ المشروع قد يزيد تعقيد الحفاظ على التواصل الجغرافي الضروري لدولة فلسطينية قابلة للحياة، من دون اعتباره العامل الوحيد الحاسم لمستقبلها.

وبحسب الدراسة، تتجاوز آثار المشروعات الاستيطانية عملية البناء عندما تؤدي إلى تغيير مسارات الطرق ووسائل الربط بين المناطق الفلسطينية، إذ ترتفع كلفة التراجع عن الوقائع الجديدة كلما أصبحت بنى مادية وإدارية دائمة.

عنف المستوطنين وإدارة إنفاذ القانون

وتبحث الدراسة عنف المستوطنين باعتباره عاملاً متصلاً بالتوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على الفلسطينيين، وتقول إن الاعتداءات على السكان والممتلكات، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية ومراعي الماشية، وتقييد الحركة، يمكن أن تؤثر في قدرة التجمعات الفلسطينية على البقاء والحفاظ على مصادر رزقها.

واستندت إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، التي وثقت أكثر من 1800 حادثة عنف استيطاني خلال عام 2025. وأسفرت تلك الحوادث عن إصابات وأضرار في الممتلكات داخل نحو 280 تجمعاً فلسطينياً، فيما سُجل أكثر من 1190 إصابة فلسطينية في سياقها، بينها مئات نُسبت إلى المستوطنين.

وفي مثال محلي، تتناول الدراسة أحداث قرية قصرة في أغسطس 2026، حين حاصر مستوطنون عدداً من المنازل الفلسطينية وفُرضت قيود على حركة السكان، وتذكر أن تدخل الجيش الإسرائيلي لم ينه المشكلة بصورة نهائية، مع استمرار عودة المستوطنين وتقييد حركة الفلسطينيين.

وتربط الباحثة ذلك بطلب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في أغسطس 2026، إعداد خطة لنقل مسؤولية إنفاذ القانون المدني في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، مع تركيز الجيش على المهام الأمنية، وترى أن هذا التوجه المحتمل يندرج في إعادة تعريف إدارة إسرائيل للضفة، وقد يؤثر توزيع المسؤوليات فيه في كيفية التعامل مع الاعتداءات ومنعها.

تقارير وقيود سياسية

وتستعين الدراسة بتقرير لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة «بتسيلم»، صدر في سبتمبر 2026 بعنوان «مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية»، واستند التقرير، بحسب الدراسة، إلى أكثر من ألفي شهادة جُمعت منذ أكتوبر 2023، إضافة إلى سنوات من التوثيق.

ويرصد التقرير خمسة مسارات مترابطة، هي العنف والترهيب، وتقييد حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم، والضغط الاقتصادي، وتفكيك البنى الاجتماعية والسياسية، والتهجير وإعادة تشكيل السيطرة على الأرض، وتستخدم الباحثة هذه المسارات للقول إن إجراءات تبدو منفصلة قد تتضافر لتغيير ظروف حياة الفلسطينيين واستخدامهم للأرض.

ولا تقصر الدراسة هذه السياسات على الحسابات الانتخابية الداخلية، رغم تناولها للمرحلة السابقة لانتخابات إسرائيلية انتهت بالفعل، وتعتبر أن ربط المستوطنات بالمؤسسات والطرق والخدمات، إلى جانب نقل الاختصاصات إلى أطر إدارية مستقرة، يكرس واقعاً يتجاوز مدة الحكومة التي نفذت هذه الخطوات.

وتشير في هذا الإطار إلى تحركات نسبت إلى نتنياهو في سبتمبر 2026 لإزالة نحو مئة بؤرة استيطانية غير مرخصة تحت ضغط أميركي، وترى أن ذلك يعكس وجود قيود سياسية ودبلوماسية قد تدفع إلى تعديل بعض الإجراءات، لكنه لا يعني بالضرورة التخلي عن المسار الأوسع الذي تصفه الدراسة بتثبيت السيطرة الإسرائيلية.

خلاصة الدراسة

وتخلص الدراسة إلى أن التوسع الاستيطاني وربط المستوطنات بالبنية التحتية الإسرائيلية، إلى جانب تقييد البناء والتنمية الفلسطينية ونقل صلاحيات الأرض والاستيطان إلى مؤسسات مدنية، قد يضيقان الخيارات السياسية في المستقبل ويجعلان وصف هذه الترتيبات بالمؤقتة أكثر صعوبة.

وترى الباحثة أن السعي إلى فرض واقع جغرافي ومؤسسي دائم لا يساوي بالضرورة إنهاء الصراع، وحتى مع تقلص فرص التسوية القائمة على تقسيم الأرض، تبقى قضايا الحقوق والسيادة والتمثيل السياسي وطبيعة النظام القانوني الحاكم للأرض والسكان قائمة، ووفق خلاصتها، طورت إسرائيل أدوات تجعل السيطرة الدائمة في الضفة الغربية أكثر قابلية للتحقق، من دون أن يحسم ذلك الصراع نهائياً.

المصدر: الجزيرة نت، نقلاً عن دراسة لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.