رأى الكاتب والمحلل الاقتصادي مارتن وولف أن بريطانيا لا يمكنها التعامل مع مشكلاتها الاقتصادية الحالية عبر استعادة سياسات سبعينيات القرن الماضي، معتبراً أن التحديات الراهنة تحتاج إلى خيارات جديدة وخطة واضحة للنمو، وجاء ذلك في قراءة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» للفروق المتزايدة بين الطروحات الاقتصادية لحزبي العمال والمحافظين.
وبحسب وولف، أظهرت المؤتمرات الأخيرة للحزبين اتساع المسافة بين رؤيتيهما، بعدما اتسمت السياسة البريطانية بتقارب نسبي خلال السنوات التي أعقبت خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وبرز هذا الاختلاف في خطابي زعيم حزب العمال آندي بورنهام وزعيمة المحافظين كيمي بادينوك.
ودافع بورنهام عن توسيع دور الدولة في إدارة الاقتصاد، بينما طرحت بادينوك توجهاً يقوم على خفض الضرائب، وتقليص حجم الحكومة، وإعطاء القطاع الخاص مساحة أكبر.
واعتبر وولف أن خطاب زعيمة المحافظين كان الأكثر تأثيراً، لا لمجرد استدعائه إرث رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر، بل أيضاً لارتباطه بنهج محافظ تقليدي يركز، وفق قراءته، على قيم المجتمع والانفتاح ويرفض النزعات الشعبوية والانغلاق السياسي.
وأوضح الكاتب أنه لا يتفق مع جميع سياسات بادينوك، ومن بينها مقترح إعفاء المنازل العائلية من ضريبة الميراث، لكنه رأى أنها قدمت طرحاً أكثر وضوحاً من البدائل التي تقدمها الأحزاب اليمينية الشعبوية.
انتقاد بورنهام للسياسات السابقة
في المقابل، هاجم بورنهام ما وصفه بالسياسات التي دفعت بريطانيا نحو «المسار الخاطئ»، مشيراً إلى الخصخصة وتخفيف القيود التنظيمية والتقشف وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما انتقد بيع أو خصخصة قطاعات تشمل الإسكان والمياه والطاقة والنقل والرعاية الاجتماعية، معتبراً أن هذه الخيارات أسهمت في تفاقم مشكلات اقتصادية واجتماعية.
غير أن وولف اعتبر أن هذا الطرح لا يأخذ في الحسبان كامل واقع الاقتصاد البريطاني قبل وصول تاتشر إلى السلطة، وقال إن تلك المرحلة لم تكن نموذجاً للنجاح الاقتصادي، إذ شهدت البلاد تضخماً مرتفعاً وإضرابات واسعة وتراجعاً في القدرة التنافسية للصناعات البريطانية، إلى جانب أزمات مستمرة في الشركات المملوكة للدولة.
كفاءة القطاعات العامة والتحولات الصناعية
وأشار وولف إلى أن قطاعات مؤممة مثل السكك الحديدية والكهرباء والاتصالات لم تكن تتمتع بالكفاءة المطلوبة في ذلك الوقت، وأضاف أن تحسن الخدمات في حالات عديدة تحقق لاحقاً بفضل المنافسة ودور القطاع الخاص، مع إقراره بأن نتائج الخصخصة لم تكن إيجابية في كل القطاعات.
وضرب مثالاً بقطاع المياه، الذي قال إنه لا يزال موضع جدل، كما أشار إلى أزمة الإسكان بوصفها أحد الاستثناءات المهمة، ووفق الأرقام التي أوردها، بُني نحو سبعة ملايين منزل في بريطانيا بين عامي 1960 و1980، مقابل أقل من أربعة ملايين وحدة جديدة بين 2005 و2025. وربط ذلك بتراجع وتيرة البناء الحكومي وارتفاع أسعار العقارات بصورة كبيرة، ولا سيما في لندن وجنوب شرق إنجلترا.
ورفض وولف اختزال تراجع الصناعة التحويلية في سياسات تاتشر وحدها، موضحاً أن الظاهرة طالت معظم الاقتصادات المتقدمة بدرجات متفاوتة، واعتبر أن التطور التكنولوجي والعولمة كانا عاملين رئيسيين في انحسار الوظائف الصناعية، متوقعاً تسارع هذا المسار مع انتشار الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
وبناءً على ذلك، رأى أن الدعوة إلى «إعادة التصنيع» لا تكفي وحدها لتشكيل استراتيجية اقتصادية تحقق النمو، وأنها لا تقدم جواباً كاملاً عن التحولات التي يشهدها سوق العمل والاقتصاد.
عوائق البناء والاستثمار
وانتقد وولف الدعوات إلى زيادة القيود التنظيمية، معتبراً أن أحد أكبر العوائق أمام النمو في بريطانيا يتمثل في صعوبة إنجاز المشروعات الجديدة، وأشار إلى أن مشروعات المساكن والبنية التحتية ومحطات الطاقة والمطارات تواجه إجراءات تنظيمية وبيروقراطية معقدة.
ورأى أن وصف الاقتصاد البريطاني بأنه متحرر من القيود لا ينسجم مع هذه العقبات، وأن تخفيف بعض التنظيمات قد يكون ضرورياً لتسريع الاستثمار، وزيادة المعروض من المساكن، ودعم النشاط الاقتصادي.
وخلص وولف إلى أن انتقاد «التاتشرية»، أو الدعوة إلى إعادة التصنيع، أو تعزيز اللامركزية، لا يمثل في حد ذاته خطة اقتصادية متكاملة، وطرح سؤالاً بشأن امتلاك حزب العمال تصوراً واضحاً للنمو الاقتصادي المستدام، مشيراً إلى أن الموازنة المقبلة قد تقدم مؤشرات أوضح بشأن الإجابة.
وأكد في ختام قراءته أن استحضار نماذج السبعينيات ليس حلاً لمشكلات الحاضر، لأن الظروف التي يواجهها الاقتصاد البريطاني تختلف عن تلك المرحلة وتستدعي سياسات ملائمة للتحديات الحالية.
المصدر: سكاي نيوز عربية
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…