ويأتي هذا التوضيح في إطار تعزيز الوعي بحقوق العاملين والتزامات أصحاب الشركات والمنشآت، وضمان تحقيق التوازن بين المحافظة على الانضباط داخل بيئة العمل وحماية الحقوق التي تكفلها التشريعات الإماراتية.

وأوضحت عائشة أحمد الحمادي، رئيس قسم الدعاوى القضائية والتظلمات بالإنابة في وزارة الموارد البشرية والتوطين، أن هناك فرقًا قانونيًا مهمًا بين ثبوت ارتكاب العامل لمخالفة وبين مشروعية العقوبة التي يقرر صاحب العمل توقيعها عليه. فثبوت المخالفة لا يعني بالضرورة جواز توقيع أي عقوبة، إذ يجب التأكد من سلامة الإجراءات المتبعة ومدى تناسب الجزاء مع جسامة الفعل والآثار التي ترتبت عليه.

وجاءت تصريحات الحمادي في مقال بعنوان «ليست كل مخالفة سواء»، نشرته مجلة سوق العمل الصادرة عن الوزارة، وتناولت تفاصيله صحيفة «الخليج» يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026. وأكدت أن التشريعات الإماراتية لا تمنح أصحاب العمل سلطة مطلقة في معاقبة الموظفين، وإنما تحدد إجراءات وضمانات يجب مراعاتها قبل اتخاذ القرار التأديبي، بما يحفظ مصالح المنشأة ويضمن معاملة العامل بصورة عادلة.

وبيّنت أن المخالفات الوظيفية تختلف من حيث طبيعتها وخطورتها وآثارها، فلا يمكن مساواة موظف تأخر عن موعد عمله للمرة الأولى بموظف يتكرر تأخره رغم التنبيه عليه. كما أن الخطأ البسيط الذي لا يترتب عليه ضرر كبير يختلف عن الإهمال الذي يؤدي إلى تعريض سلامة العاملين أو مصالح المنشأة للخطر، ولذلك يجب النظر إلى ظروف كل واقعة قبل تحديد الجزاء المناسب.

ووفقًا للمادة 39 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل وتعديلاته، حدد المشرع مجموعة من الجزاءات التأديبية التي يجوز لصاحب العمل أو من يمثله توقيعها عند ثبوت المخالفة. وتبدأ هذه الجزاءات بلفت النظر الخطي والإنذار الخطي، وقد تشمل الخصم من الأجر أو الوقف المؤقت عن العمل أو الحرمان من بعض المزايا الوظيفية، وصولًا إلى الفصل من الخدمة مع الاحتفاظ بحق العامل في مكافأة نهاية الخدمة وفق الضوابط القانونية.

ومن بين العقوبات التي أجازها القانون الخصم من أجر العامل بما لا يتجاوز أجر خمسة أيام في الشهر، وكذلك الوقف عن العمل لمدة لا تزيد على 14 يومًا دون صرف الأجر عن أيام الوقف التأديبي. كما يجوز الحرمان من العلاوة الدورية لمدة لا تتجاوز عامًا واحدًا، أو الحرمان من الترقية لمدة لا تتجاوز عامين، وذلك في المنشآت التي تطبق أنظمة للعلاوات أو الترقيات ووفق الشروط القانونية المحددة.

وفيما يتعلق بإجراءات التحقيق، نصت اللائحة التنفيذية لقانون العمل على ضرورة إبلاغ العامل كتابة بالمخالفة المنسوبة إليه، وسماع أقواله والتحقيق في دفاعه وتوثيق الإجراءات في محضر يودع بملفه الوظيفي. كما يجب إخطاره كتابة بنوع العقوبة الموقعة عليه وأسبابها ومقدارها عند الاقتضاء، والعقوبة التي قد يتعرض لها عند تكرار المخالفة، بما يضمن وضوح الإجراءات وإمكانية مراجعتها.

وتضمنت الضوابط القانونية كذلك مراعاة عدة معايير عند تحديد العقوبة، من بينها حجم الضرر المالي الناتج عن المخالفة، وتأثيرها في سلامة العاملين، ومدى الإضرار بسمعة المنشأة، وإساءة استخدام الصلاحيات الوظيفية، وتكرار المخالفات السابقة. وتساعد هذه المعايير على تحقيق التناسب بين الخطأ والجزاء، بدلًا من تطبيق عقوبات متشابهة على وقائع تختلف في خطورتها ونتائجها.

ووضعت اللائحة التنفيذية حدودًا زمنية للإجراءات التأديبية، حيث لا يجوز توجيه اتهام تأديبي للعامل عن مخالفة مضى على اكتشافها أكثر من 30 يومًا، كما لا يجوز توقيع الجزاء بعد مرور أكثر من 60 يومًا على انتهاء التحقيق وثبوت المخالفة. ويهدف هذا التنظيم إلى منع استمرار التهديد بالعقوبة لفترات غير محددة، وتشجيع أصحاب العمل على معالجة المخالفات في إطار زمني واضح.

كما يحظر القانون توقيع أكثر من جزاء تأديبي واحد عن المخالفة نفسها، ولا يجوز معاقبة العامل عن تصرف ارتكبه خارج مكان العمل إلا إذا كان مرتبطًا بالعمل. ويحق للعامل التظلم من الجزاء لدى إدارة المنشأة، دون الإضرار به بسبب تقديم التظلم، مع احتفاظه بحقه في تقديم شكوى عمالية إلى الجهات المختصة وفق الإجراءات المعتمدة.

ومن الضمانات المهمة أيضًا اشتراط توفير نظام واضح للشكاوى والتظلمات داخل المنشآت التي يعمل لديها 50 عاملًا فأكثر، بحيث يتمكن الموظفون من تقديم اعتراضاتهم والحصول على رد مكتوب وفق الإجراءات المحددة. ويأتي ذلك في إطار تعزيز الشفافية داخل المؤسسات، وإيجاد وسائل منظمة لمعالجة الخلافات قبل تفاقمها أو تحولها إلى نزاعات عمالية.

وشددت الحمادي على أن الاستماع إلى العامل والتحقق من ظروف الواقعة لا يعني التساهل مع المخالفات أو إضعاف سلطة صاحب العمل في إدارة منشأته، بل يسهم في اتخاذ قرارات أكثر عدالة ودقة. فقد يكشف التحقيق عن ظروف تخفف من مسؤولية العامل، أو يثبت وجود آثار أكثر خطورة مما ظهر في البداية، وهو ما يجعل الإجراءات القانونية ضرورية للوصول إلى الجزاء المناسب.

وأكدت أن تحقيق الانضباط داخل المؤسسات يبدأ من وضوح تعليمات العمل وإحاطة الموظفين بالتزاماتهم المهنية، وليس من كثرة العقوبات والجزاءات. فكلما كانت القواعد واضحة ومعلومة للعاملين، قلت احتمالات وقوع المخالفات، وأصبحت عملية المساءلة أكثر موضوعية، بما يساعد على توفير بيئة عمل مستقرة تقوم على معرفة الحقوق والالتزامات المتبادلة.

ويحمل هذا التوضيح أهمية خاصة للمواطنين والمقيمين العاملين في القطاع الخاص، إذ يؤكد أن توقيع الجزاءات التأديبية يجب أن يتم ضمن حدود القانون وبعد استيفاء الإجراءات اللازمة. كما يوجه رسالة لأصحاب الشركات بضرورة مراجعة لوائح الجزاءات وإجراءات التحقيق والتظلم، والتأكد من تناسب العقوبات مع المخالفات، بما يحافظ على حقوق العمال ويعزز استقرار علاقات العمل.

المصدر: وزارة الموارد البشرية والتوطين الإماراتية – صحيفة الخليج – المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 ولائحته التنفيذية.