وثّق باحثون نوعا جديدا من أسماك القرش الفانوسية في المياه المحيطة بجزر موريشيوس بالمحيط الهندي، وأطلقوا عليه اسم «إتموبتروس بولبوسوس» أو «القرش الفانوسي كبير الأنف»، ويبلغ طول العينة التي استند إليها الوصف العلمي 21.5 سنتيمترا، ما يضعه بين أقرب الأنواع المنافسة على لقب أصغر أسماك القرش المعروفة.
اكتشاف قرش فانوسي جديد قرب موريشيوس ينافس على لقب الأصغر عالميا
الخط
القرش الفانوسي كبير الأنف نوع جديد وُصف من عينة جُمعت قرب موريشيوس.
ونشرت الدراسة التي تصف النوع الجديد في مجلة أوشن ساينس فاونداشن، واستمد الاسم الشائع للقرش من خطمه الكبير والمنتفخ، وهو من السمات التي استخدمها الباحثون في تمييزه عن الأنواع القريبة منه.

ويقترب حجم النوع الجديد من قرش الفانوس القزم «إتموبتروس بيري»، الذي يبلغ أقصى طول مسجل له نحو 21.2 سنتيمترا، بفارق لا يتجاوز 3 مليمترات، وتوحي هذه المقارنة بأن القرش المكتشف حديثا صغير بما يكفي ليستقر في راحة يد شخص بالغ.


عينة من أعماق موريشيوس
جُمعت العينة المرجعية خلال مسح بحثي نفذته سفينة الأبحاث العلمية «الدكتور فريدجوف نانسن» قبالة موريشيوس عام 2025. وكانت العينة أنثى واحدة، عُثر عليها على عمق تراوح بين 400 و500 متر وانتُشلت بشباك الجر قبل إخضاعها للفحص.
ولا يعتمد تصنيف نوع جديد على غرابة سمة واحدة أو على عدد العينات فقط، إذ يقارن الباحثون الصفات التشريحية بالأنواع المتقاربة ويستعينون بالتحليلات الجينية، وفي هذه الحالة، صُنّف «إتموبتروس بولبوسوس» ضمن مجموعة «إتموبتيروس بوسيلوس»، وهي واحدة من أربع مجموعات رئيسية داخل جنس «إتموبتروس» الذي يضم 44 نوعا معروفا.
ويمتلك القرش الجديد، مثل الأنواع الفانوسية القريبة منه، قدرة على إصدار الضوء عبر خلايا جلدية متخصصة تسمى الفوتوفورات، ويرتبط هذا التوهج الحيوي بأنماط تختلف بين الأنواع، وقد يؤدي أدوارا في التواصل والتزاوج والتفاعل مع البيئة، أو جذب الفرائس وتحذير المفترسات، إضافة إلى التمويه بالإضاءة المضادة، وتناولت دراسة منشورة في الجمعية الملكية وظائف الفوتوفورات الجانبية لدى هذه القروش.
سمات شكلية تميّز النوع
تتصف مجموعة «إتموبتيروس بوسيلوس» بعلامات ذات تفرعات أمامية قصيرة وسميكة نسبيا، مع تفرعات خلفية مبتورة أو ضعيفة، وينسجم القرش الجديد مع هذا النمط، لكنه يتميز كذلك بخطم بارز الانتفاخ.
ويساعد هذا الخطم، إلى جانب رقع من الأسنان الجلدية، في الفصل بينه وبين القرش الفانوسي الشوكي «إتموبتيروس سنتوسوس» الموجود قبالة شرق أفريقيا ومدغشقر، والأسنان الجلدية حراشف دقيقة تشبه الأسنان الصغيرة في تركيبها، ويمكن أن تسهم أشكالها وطريقة توزعها في التمييز بين أنواع القروش.
وقال ديفيد إيبرت، مدير مركز أبحاث أسماك القرش في المحيط الهادئ التابع لمختبرات موس لاندينغ البحرية بولاية كاليفورنيا الأميركية وأحد المشاركين في الدراسة، للجزيرة نت إن النوع الجديد يحمل خصائص تفرّده عن الأنواع الأخرى المعروفة، وأشار إلى أن أسنانه الجلدية متضخمة وتشبه الأشواك، وتظهر في مناطق واضحة من الجلد، بخلاف النوع الأقرب والوحيد الآخر الذي يمتلك هذه التراكيب.
وأضاف إيبرت أن اجتماع الخطم المنتفخ مع الأسنان الجلدية المتضخمة وأشكال العلامات المميزة على جانبي الجسم والذيل يشكل مزيجا لا يتكرر لدى أقرب القروش الفانوسية المعروفة، واعتبر أن الخطم الكبير والعين الكبيرة نسبيا قد يشيران إلى حياة في مياه متوسطة العمق، حيث يمكن أن يكون للشم والبصر دور مهم في دورة حياة السمكة.
دليل جيني مع تحفظات علمية
فحص الباحثون جزءا من جين «السيتوكروم سي أوكسيداز» المستخدم على نطاق واسع بوصفه باركودا جينيا لتحديد الأنواع، وأظهر التحليل اختلافا جينيا لا يقل عن 10.29% عن أقرب نوع توافرت بياناته للمقارنة.
وقالت ميكايلا فان ستادن، الباحثة في مختبر علم وراثة أسماك القرش بجامعة ستيلينبوش في جنوب أفريقيا والمشاركة في الدراسة، للجزيرة نت إن هذه النسبة تعد كبيرة عند المقارنة بين أنواع أسماك القرش، إذ إن الفروق الجينية بين بعض الأنواع قد تقل عن 1%، وأضافت أن النتيجة تمثل دليلا جزيئيا قويا على أن «إتموبتروس بولبوسوس» نوع مستقل، لا فرد غير مألوف من نوع معروف.
وأوضحت فان ستادن أن توافق الدليل الجيني مع الفروق الشكلية يمنح التصنيف دعما إضافيا، لكنها نبهت إلى أن الاعتماد على عينة واحدة لا يسمح بقياس مدى التباين الجيني داخل النوع نفسه، كما أن العلاقات الدقيقة بين أنواع مجموعة «إتموبتيروس بوسيلوس» ما زالت غير محسومة.
وبحسب الباحثة، يحتاج الأمر إلى علامات جينية إضافية وعينات أكثر من موقع العثور على العينة المرجعية والمناطق المحيطة به، لتقييم التباين الجيني وتحديد موضع النوع بدقة أكبر ضمن تاريخ المجموعة التطوري.
أسئلة مفتوحة عن الانتشار والحماية
لا تزال أعداد هذا القرش ونطاق انتشاره ومتوسط أحجام البالغين وغذاؤه وطريقة تكاثره غير معروفة، كما لا يمكن الجزم بعد بأن وجوده يقتصر على المياه المحيطة بموريشيوس، وقال إيبرت إن عينة واحدة لا تكفي لمعرفة حجم جماعة النوع أو امتداده الجغرافي، وإن العثور على عينات جديدة يمكن أن يقدم إجابات عن جوانب من حياته.
وأوضح أن الاكتشاف يضيف إلى المعرفة بتنوع القروش الفانوسية في جنوب غرب المحيط الهندي، وبالتنوع داخل جنس «إتموبتروس» عموما، وفي أواخر العام الماضي، أعلن الباحثون اكتشاف نوع جديد آخر من القروش الفانوسية الصغيرة على أعماق تصل إلى 610 أمتار، خلال مسوحات للتنوع البيولوجي في متنزه جاسكوين البحري قبالة غرب أستراليا.
وقد تقع قروش الأعماق عرضا في شباك الجر، لكن عدم توافر مراقبين مدربين أو أدلة دقيقة للتعرّف إلى الأنواع قد يؤدي إلى تسجيلها في فئات عامة بدلا من توثيقها على مستوى النوع، ويزيد ذلك من صعوبة بناء معلومات دقيقة عن توزيعها وأعدادها.
ولم يخضع «القرش الفانوسي كبير الأنف» بعد لتقييم حالة الحفظ لدى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لأنه نوع موصوف حديثا، ومن بين 40 نوعا من الجنس نفسه خضعت للتقييم، صُنّف 36 ضمن فئة «الأقل إثارة للقلق»، وثلاثة ضمن «نقص البيانات»، ونوع واحد ضمن «معرض للخطر».
وأشار إيبرت، وهو عضو اللجنة التنفيذية لمجموعة أخصائيي أسماك القرش التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، إلى أن صغر معظم هذه الأنواع وعدم وقوعها عادة في شباك الصيد التجاري يوفران لها قدرا من الحماية، لكنه لا يلغي التهديدات المحتملة أو الحاجة إلى مراقبتها، وأضاف أن المعلومات عن كثير من القروش الفانوسية لا تزال محدودة إلى حد يصعّب اتخاذ قرارات مناسبة لحمايتها.
وترى فان ستادن أن توسيع جمع العينات ليشمل أنواعا أخرى من مجموعة «بولبوسوس» في جنوب غرب المحيط الهندي، مع دمج البيانات الجينية بالصفات الشكلية وبيانات الموائل، سيساعد في توضيح العلاقات التكيفية والحدود الجغرافية للأنواع وفهم النوع الجديد بصورة أكمل.
ما رأيك في الخبر؟
شاركنا تفاعلك، أو ساعدنا على تصحيح معلومة.
شكرًا لكونك جزءًا من مجتمعنا. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.
التعليقات
جارٍ تحميل النقاش…