وجاء قرار المحكمة العليا بعد نظر الطعن المقدم من صاحب المنشأة، الذي تمسك بأن نشاط شركته لم يتوقف وأن العاملين يواصلون أداء مهامهم والحصول على رواتبهم بصورة منتظمة.

وبحسب تفاصيل القضية التي نشرتها صحيفة «الإمارات اليوم» اليوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، بدأت الواقعة بإحالة النيابة العامة مالك المنشأة إلى المحاكمة، بعد توجيه اتهام إليه بإيقاف نشاط المؤسسة دون استكمال إجراءات تسوية حقوق العمال، بالمخالفة لأحكام التشريعات المنظمة لعلاقات العمل في الدولة. واعتبرت جهة الاتهام أن الواقعة تستوجب المساءلة القانونية وفق الأحكام التي تنظم مسؤوليات أصحاب العمل عند إغلاق المنشآت أو وقف نشاطها.

ونظرت محكمة أول درجة القضية، وانتهت إلى إدانة المتهم وتغريمه 100 ألف درهم، مع إلزامه بالرسوم القضائية. ولم يقبل صاحب المنشأة الحكم، فانتقل النزاع إلى محكمة الاستئناف الاتحادية التي أيدت الإدانة والعقوبة، لتستمر القضية بعد ذلك أمام المحكمة الاتحادية العليا، باعتبارها الجهة المختصة بنظر الطعن على الحكم وفق الإجراءات القانونية المقررة.

وخلال طعنه أمام المحكمة الاتحادية العليا، دفع صاحب المنشأة بأن الحكم الصادر ضده شابه الغموض والقصور في التسبيب، وأن المحكمة لم تتناول دفاعًا جوهريًا قدمه مدعومًا بمستندات. وأوضح أن الشركة لا تزال تمارس نشاطها بصورة طبيعية، وأن موظفيها وعمالها يحصلون على أجورهم بانتظام، وأن طبيعة أعمال صيانة المباني تجعل تنفيذ الأنشطة التشغيلية يتم خارج مقر المؤسسة في مواقع العملاء والمشروعات.

وأكد صاحب المنشأة أن عدم وجود نشاط ظاهر داخل المقر بصورة مستمرة لا يعني بالضرورة توقف الشركة عن العمل أو إغلاقها، لأن الأعمال التي تؤديها المؤسسة ترتبط بمواقع خارجية. واستند في دفاعه إلى مستندات قال إنها تثبت استمرار النشاط وانتظام صرف الرواتب، معتبرًا أن تجاهل هذه الأدلة يؤثر في سلامة الحكم ويحول دون التحقق من توافر عناصر المخالفة المنسوبة إليه.

وبعد دراسة الطعن، أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن الأحكام القضائية الصادرة بالإدانة يجب أن تتضمن بيانًا واضحًا ومحددًا للواقعة التي تستوجب العقوبة، مع توضيح العناصر القانونية اللازمة لقيام الجريمة. وشددت على أن عرض الوقائع بصورة عامة أو غامضة لا يكفي إذا كان من شأن ذلك أن يمنع المحكمة العليا من ممارسة رقابتها على سلامة تطبيق القانون وصحة الأساس الذي بُني عليه الحكم.

وأوضحت المحكمة أن من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة التزام محكمة الموضوع بمناقشة الدفوع الجوهرية التي يقدمها المتهم أو محاميه، خصوصًا عندما تكون هذه الدفوع مرتبطة بمستندات قد تؤثر في ثبوت الواقعة أو نفيها. ولا يجوز إغفال دفاع جوهري مؤثر دون رد كافٍ، لأن سلامة الحكم القضائي لا تقوم على النتيجة وحدها، وإنما تعتمد أيضًا على وضوح الأسباب والأدلة التي استندت إليها المحكمة.

وانتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى نقض الحكم المطعون فيه، بعدما تبين لها عدم الرد على الدفاع الجوهري المتعلق باستمرار نشاط المنشأة وانتظام دفع أجور العاملين. ويمثل هذا القرار تطورًا مهمًا في مسار القضية، إذ يوضح أهمية فحص الأدلة التي يقدمها المتهم قبل إصدار الأحكام، وضرورة معالجة المسائل المؤثرة في تحديد المسؤولية القانونية بصورة واضحة.

ومن الضروري التأكيد أن نقض الحكم لا يعني بالضرورة ثبوت براءة صاحب المنشأة من الاتهام الموجه إليه، كما لا يعني أن المحكمة العليا انتهت إلى إثبات صحة جميع المستندات التي قدمها. فالقرار المنشور يتعلق بوجود قصور في الحكم المطعون فيه وطريقة تعامله مع الدفاع المقدم، أما النتيجة الموضوعية النهائية للقضية فتظل مرتبطة بما تسفر عنه الإجراءات القضائية اللاحقة، إن وجدت، وفق ما تقرره المحكمة المختصة.

وتنظم تشريعات العمل الإماراتية التزامات أصحاب المنشآت عند إنهاء النشاط أو إغلاق الشركات، وتفرض ضوابط لحماية حقوق العمال وتسوية أوضاعهم المالية والقانونية. وينص قانون تنظيم علاقات العمل وتعديلاته على عقوبات مالية للمخالفات المتعلقة بإغلاق المنشأة أو إيقاف نشاطها دون تسوية حقوق العاملين، وقد تتراوح الغرامات المقررة لبعض هذه المخالفات بين 100 ألف ومليون درهم، وفق النص القانوني المنطبق.

ولا يعني ذلك أن جميع حالات توقف النشاط أو إغلاق المقرات تستوجب العقوبة بصورة تلقائية، إذ يتطلب تطبيق الجزاء التحقق من توافر العناصر القانونية للمخالفة وثبوتها وفق الأدلة والإجراءات المعتمدة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للمنشآت التي تعتمد طبيعة أعمالها على تقديم الخدمات خارج مقراتها، مثل أعمال الصيانة والمقاولات والخدمات الميدانية التي لا يستلزم تنفيذها وجود العاملين داخل المكتب طوال الوقت.

وتحمل القضية رسالة مهمة لأصحاب الشركات والمؤسسات بشأن ضرورة الاحتفاظ بالمستندات التي تثبت استمرار النشاط وانتظام صرف رواتب العاملين والوفاء بالالتزامات التعاقدية. كما تؤكد للعاملين أن حقوقهم عند إغلاق المنشآت أو توقف أنشطتها تخضع للحماية القانونية، وأن تحديد مسؤولية صاحب العمل يجب أن يتم من خلال الإجراءات القضائية والرقابية المعتمدة.

ويبرز حكم المحكمة الاتحادية العليا أهمية ضمانات التقاضي وحق الدفاع في القضايا المرتبطة بمخالفات العمل، باعتبارها من القضايا التي قد تترتب عليها عقوبات مالية كبيرة وآثار قانونية على أصحاب المؤسسات. ويظل التوازن بين حماية حقوق العمال وضمان سلامة الإجراءات القضائية من المبادئ الأساسية التي تستند إليها التشريعات المنظمة لسوق العمل في دولة الإمارات العربية المتحدة.

المصدر: صحيفة الإمارات اليوم – المحكمة الاتحادية العليا – المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل وتعديلاته – 3 نوفمبر 2026.